#dfp #adsense

كسوف الشمس من الماضي البعيد

حجم الخط

كسوف الشمس من الماضي البعيد

تخيّل أن بإمكانك مشاهدة كسوف كلي للشمس، لكن ليس في زمننا هذا، بل في الماضي. هذا ما حدث فعلياً عام 1851، حين التُقطت أول صورة واضحة لهذه الظاهرة الطبيعية النادرة على أراضي روسيا الحالية. بدأت القصة في منطقة كالينينغراد، التي كانت آنذاك جزءاً من بروسيا (ألمانيا)، حيث كُلّف المصوّر والمراصد الملكي البروسي يوهان يوليوس فريدريش بيركوفسكي بتوثيق الكسوف باستخدام تقنية “الداغريوتايب”، وهي من أقدم تقنيات التصوير الفوتوغرافي.

لإنتاج هذه الصورة، صُقلت صفيحة نحاسية حتى أصبحت لامعة كالمرآة، ثم غُطيت بطبقة من الفضة، وعُولجت لاحقاً باليود لتصبح حساسة للضوء. بعد التقاط الصورة، جرى تثبيتها ببخار الزئبق، لتظهر تفاصيل الكسوف على اللوح الفضي بصورة فريدة أقرب إلى انعكاس المرآة منها إلى الصور الحديثة.

وبفضل تلسكوب كاسر قطره 6 سنتيمترات مركّب على مقياس “فراونهوفر” الشمسي، استطاع بيركوفسكي تعريض الصورة للضوء لمدة 84 ثانية، فور بدء الكسوف الكلي. وكانت النتيجة صورة نادرة التقطت بدقة متناهية، أظهرت ليس فقط التباين بين الهالة الشمسية وقرص القمر، بل أيضاً التوهجات الشمسية وبروزات البلازما.

هذه الصورة لم تكن الأولى من حيث المحاولة، لكنها كانت الأولى الناجحة. فقد سبقتها محاولات عديدة فشلت بسبب صعوبة التوازن بين ضوء الهالة الساطع وعتمة القمر. لكن صورة بيركوفسكي كانت ثورة علمية، إذ قدّمت دليلاً بصرياً حاسماً على أن هذه التوهجات تنتمي إلى الشمس لا القمر، منهية بذلك نقاشاً فلكياً دام طويلاً.

كما ساهمت الصورة في تمهيد الطريق أمام علماء آخرين، مثل وارن دي لا رو، لدراسة بنية الهالة الشمسية خلال كسوف 1860، ما فتح الباب لاحقاً لفهم أعمق لسلوك الشمس وتركيبها.

أما عن أنواع الكسوف، فهي تحدث ما بين مرتين إلى خمس مرات سنوياً. ويُعد الكسوف الكلي – حين يغطي القمر قرص الشمس بالكامل – أندرها، ويقع كل 18 شهراً تقريباً. أما الكسوف الحلقي، الذي يترك “حلقة نارية” حول القمر، فيحدث كل عام أو عامين. والنوع الأندر هو الكسوف الهجين، الذي يتحول من حلقي إلى كلي، ويقع مرة كل عشر سنوات تقريباً.

اللافت أن آخر مرة شهد فيها العالم خمس حالات كسوف في عام واحد كانت عام 1935، ولن يتكرر ذلك قبل عام 2206.

الصورة التي التُقطت في 1851 تُعد شاهداً بصرياً على شغف الإنسان باكتشاف أسرار الكون، وتقدّمه المذهل في فهم الظواهر الكونية. وبينما كانت الصورة الأولى لكسوف الشمس إنجازاً علمياً مذهلاً، بات اليوم من الممكن لأي شخص أن يوثّق هذه الظاهرة بهاتفه الذكي، في مفارقة تبرز كم تقدّمت البشرية في ترويض ما كان يُعد في الماضي من أعظم معجزات السماء.

المصدر:
روسيا اليوم

خبر عاجل