#dfp #adsense

خاص – لا تقوم الدولة بالتراضي ( د. ميشال الشماعي)

حجم الخط

ممّا لا شكّ فيه أنّ المنطقة قد دخلت اليوم في عمق التغيير الجديد، وهي مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الأزمات السياسية مع الهواجس الأمنية، ولاسيّما في ظلّ التصعيد المستمرّ جنوبًا، وتداعيات الحرب المفتوحة بين منظمة “الحزب” وإسرائيل. فبينما يستمرّ تبادل القصف والتوغلات المحدودة، تزداد المخاوف من انزلاق لبنان نحو مواجهة شاملة باتت تقرع الأبواب. فهل يملك لبنان ” الدّولة” القدرة على تحمّل تبعاتها، إن اقتصاديًّا أو سياسيًّا أواجتماعيًّا، أو حتّى وجوديًّا وكِيانيًّا؟

اللافت وسط هذه الحشرجة أنّ الغطاء السياسي الداخلي لهذا المسار العسكري لا يزال منقوصًا، إذ لا يبدو أنّ هناك توافقًا وطنيًّا على خوض هذه الحرب، وبخاصّة في ظل غياب الفعاليّة المؤسّساتيّة القائمة فقط على النوايا الحسنة. وفي وقتٍ لا تزال فيه الأطراف اللبنانية منقسمة حول تعريف “المصلحة الوطنية العليا”؛ ولعلّ هنا بيت القصيد الذي يقضّ المضاجع الوجوديّة لدولة ما عرفت الاستقرار طوال نيّفٍ وقرن. هذا التناقض يعكس عمق الأزمة البنيوية في النظام اللبناني، ويزيد من خطر تكرار سيناريوهات الفوضى الأمنية والانهيار المؤسسي.

وأمام هذا التّعقيد الكياني، والتهديد الديبلوماسي يقبع لبنان ” الدّولة” في عنق زجاجة التغيير. لا هو عارف كيف سيخرج منها، لأنّه خارج لا محالة؛ لكنّه مدرك تمامًا أنّ بقاءه في قعر هذه الزجاجة سيؤدّي حتمًا إلى اختناقه. هذه “الديليما” البقائيّة تضع أهل الحكم أمام واقع يقتضي عليهم تحمّل المسؤوليّة والاقرار بالحقيقة كما هي. فإمّا أن تكون الدّولة دولة، وإمّا ألّا تكون.

لا تشارك في السيادة. لا ازدواجيّة في السلاح. لا ديبلوماسيّة إلّا ديبلوماسيّتها. فلا يمكن أن تحمل الدّول صورة غيرها ديبلوماسيًّا. هذه أبسط معايير الوجود المؤسّساتي. فنحن لسنا بحاجة إلى مأسسة الدّولة، بل نحن بحاجة ماسّة جدًّا إلى إعادة بلورة لصياغة مفهوم المأسسة على الرّكائز الوجوديّة. فالحكومة مطالبة اليوم اليوم وليس غدًا – لأنّه إن لم تنفّذ اليوم قد لا يكون هنالك أيّ غدٍ للحكومة لا بل للبنان كما عرفناه- بإقرار بند وحيد في جلسة وحيدة يقضي بحلّ كلّ التنظيمات المسلّحة، اللبنانيّة وغير اللبنانيّة، ونزع سلاحها. نعم، ليس تسليم سلاحها الذي يعني وجودها، لذلك هي لن تسلّمه تسليمًا. على الدّولة أن تعمد إلى نزع كلّ ما هو غير شرعي. بدءًا بشريط الكهرباء الحرام المعلّق على أعمدة الحلال، وليس انتهاء بسلاح حُلِّلَ في لحظة حرام.

فإطلالات الموفدين الدوليّين بين الحين والآخر ببيانات “قلق” أو تحذيرات دبلوماسيّة لا تجد طريقها إلى التنفيذ، فيما تستمر طهران في تعزيز دور منظّمة “الحزب” كعنصر متقدّم في خط المواجهة مع إسرائيل، من دون أن تُعير أيّ اعتبار للواقع اللبناني المنهك. هذا الشأن الايراني. أين أهل الحكم والحكومة من الشأن اللبناني؟

المصلحة العامّة اللبنانيّة تقتضي تقديم أيّ شيء على حساب بقاء لبنان. وهذا البقاء الذي أعلنت الديبلوماسيّة الغربيّة من دون أيّ مواربة بتهديده. فمسألة الإلحاق ببلاد الشام لا زالت تدغدغ بعض المكوّنات الحضاريّة. حتّى لو لم تبدِ أيّ ردّة فعل مؤيّدة لهذا الطرح. ولاسيّما بعد الحديث المطّرد عن فدرلة المنطقة. ولعلّ هذا ما يطرح الإشكاليّة الأهمّ في هذه الأزمان المصيريّة التي تعصف بنا: أفلا يحقّ للبنان مجرّد التفكير بتطبيق الدّستور اللامركزي؟ أفلا يحقّ لنا كلبنانيّين مجرّد التفكير بصيغة فدراليّة تجمع هذا التنوّع الحضاري في دولة اتّحاديّة – حياديّة؟

إنّ صمت المجتمع الدولي، وتواطؤ بعض القوى الداخلية، يهدّدان الكيان اللبناني بمزيد من التفكك. المطلوب اليوم موقف وطني واضح: لا لوصاية السلاح، نعم للدولة، لا للمغامرات، نعم لسلام داخليّ وحياد خارجيّ يضمنا استقرار السيادة الوطنيّة. فهذا الصمت أعتقد بأنّه قد انتهى. ويبدو من مواقف المجتمع الدّولي أنّ الحراسَة الدّوليّة قد أسقِطَت – على أمل ألّا يكرَّس ذلك قانون في نهاية آب اللّهّاب القادم بملف التجديد لليونيفيل- لذلك، لا نجاة إلّا باستعادة الدّولة من خاطفيها. وهذا لن يكون بالتراضي. ومَن له أذنان للسماع … فلْيسمع !

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل