.jpg)
لبنان لا ينهار لأن خصومه أقوياء، بل لأنه بلا قرار، بلا مشروع، وبلا جهة رسمية تعبّر عن مصلحة مواطنيه بجدية ومسؤولية. ما يُسمّى “الدولة” لم يعد أكثر من إطار مؤسساتي هش، مُفرغ من مضمونه السيادي، لا يزال يُدار بعقلية المحاصصة القديمة، ويتحرّك وفق إيقاع التوازنات الفئوية لا وفق منطق الدولة. السلطة التنفيذية غير قادرة على الاجتماع، ولا على إصدار موقف موحّد من أي ملف مصيري. فحتى اليوم، لا رؤية موحّدة، ولا خطة تنفيذية، ولا قدرة على الحسم. المثال على التخبط هو طريقة التعاطي مع الورقة الأميركية الأخيرة. قدّم رئيس الجمهورية ردًا باسم لبنان، ليُقدم بعدها رئيس مجلس النواب ورقة مختلفة، وكأننا أمام مرجعيتين تتنازعان القرار بدل أن تتكاملان فيه. في نظام سياسي طبيعي، الرد يجب أن يصدر عن الحكومة مجتمعة. ما حصل لا يُعتبر فقط خرقًا للدستور، بل تآكلًا متقدّمًا في مفهوم الدولة نفسها، حين تتصرّف المؤسسات خارج صلاحياتها تحت مظلة “الواقع السياسي”.
هذا النموذج السياسي القائم على تقاسم النفوذ لا على ممارسة الحكم، ينعكس بوضوح في أداء السلطة القضائية. القضاء، بدل أن يكون مرجعية مستقلة، تحوّل إلى أداة في يد أطراف سياسية تستخدمه لتصفية الحسابات أو لحماية المحسوبين عليها. موقوفون بلا محاكمات، قضايا معلّقة، تحقيقات معلّبة، وقرارات تُكيّف تبعًا للهوية السياسية والطائفية. العدالة باتت انتقائية، والسلطة التنفيذية تُمعن في حماية الحصانات، وتُسهّل الإفلات من المساءلة، إلا في الحالات التي تُرفع عنها المظلة السياسية عمدًا.
والمفارقة أن الدولة، حين تمارس سلطتها، تفعل ذلك على مَن ما زالوا مؤمنين بها، فتستقوي على الفئات غير المحمية. أما أمام من يتحدّونها، فتُدير علاقتها بالتراضي، وعلى إيقاع شروط خصومها، لا وفق مقتضيات السيادة والقانون. حيث تحوّلت الدولة إلى “وسيط اجتماعي” بين مكوّنات متنازعة، لا مرجعية حاكمة. لا قدرة على فرض سيادتها في المخيمات الفلسطينية، على الرغم من الوعود الرسمية ببدء سحب السلاح منها في منتصف حزيران الماضي. لا قدرة على ضبط الأمن في مناطق باتت تخضع لأمر واقع يتجاوز سلطتها. نحن لا نعيش إدارة دولة، بل إدارة فراغ مقونن.
وإذا كان فقدان القرار هو أصل الانهيار الداخلي، فإن غياب الثقة هو ما يرسّخ العزلة الخارجية. المبادرات الخليجية التي كانت مطروحة تعطّلت، الاتفاقيات توقفت، والمساعدات تراجعت. الأسباب لم تكن سياسية فقط، بل مرتبطة بعدم اقتناع الخارج بوجود دولة لبنانية قادرة على تنفيذ الحد الأدنى من التزاماتها. المفارقة أن سوريا، على الرغم من كل الملاحظات على الأداء، تقدّمت بمبادرات لإعادة تنظيم مؤسساتها فحظيت بانفتاح خليجي، بينما لبنان استُبعد عن الأولويات، لأن النظام السياسي فيه لا يُظهر أي نية إصلاحية جدية، ولا يمتلك أدوات تنفيذ إصلاح حتى لو أراد.
في ظل هذا الواقع، لا مجال للحديث عن خطة اقتصادية قابلة للتطبيق، أو عن حماية بيئة استثمارية جاذبة. الدولة عاجزة عن تفعيل الجباية، وغير قادرة على ضبط الهدر والتهريب، ولا تملك الحدّ الأدنى من آليات الرقابة على الإنفاق العام. لا رسوم جمركية تُحصَّل كما يجب، ولا موارد تُدار بكفاءة. المطلوب ليس مؤتمرات جديدة، بل قرار سيادي داخلي صريح بأن الدولة يجب أن تحكم، لا أن تُساوم. أن تُنفّذ القانون، لا أن تلتف عليه. أن تكون مرجعية وطنية، لا مجرّد “شيخ صلح” بين القوى المتنازعة.
ما نشهده اليوم هو تثبيت لنموذج “الفراغ المُدار”: عهدٌ يُراوح، حكومة تتجنّب، مجلس نيابي مُقيّد بأهواء رئيسه الخارج عن النص الدستوري، وقضاء فاقد للاستقلالية. في المقابل، يجري تسيير الدولة من قبل دوائر المستشارين والوسطاء، حيث تتوزّع السلطات الفعلية بين المصالح الضيقة، فيما اللبنانيون يواجهون الانهيار وحدهم.
المطلوب من العهد ليس التصادم، بل الحكم. ليس إرضاء الجميع، بل الالتزام بالدستور من دون مناورة أو تسوية. دولة تُعيد إنتاج نفسها من داخل المؤسسات، عبر قرار موحّد، وسلاح شرعي واحد، وقضاء مستقل، واقتصاد منضبط، لا عبر تدوير الأزمة وتجميدها حفاظًا على توازن هش ينهار كلما حاول أن يتحرك.
الحياد لا يُبنى بالدعاية الإعلامية ولا بالسلوك الشعبوي، بل بمنظومة حاكمة تمتلك القرار وتفرض تطبيقه. أما الإصلاح الحقيقي فلا يبدأ بورش استشارية، بل باستعادة القدرة على اتخاذ القرار السيادي.
فما لم تُقرّر الدولة أنها فعلاً دولة، لن يراها الداخل وصيًا شرعيًا، ولن يعترف بها الخارج ككيان جدير بالثقة.