.jpg)
في خطوة رائدة تجمع بين التكنولوجيا والرعاية الصحية، بدأت اليابان باستخدام روبوتات ذكية لمساعدة كبار السن، في إطار جهودها لمواجهة التحديات الناتجة عن شيخوخة المجتمع ونقص اليد العاملة في قطاع التمريض. وتأتي هذه المبادرة في ظل توقعات بأن تتضاعف الحاجة إلى خدمات الرعاية طويلة الأمد خلال العقد المقبل، في حين يزداد النقص في عدد الممرضين والعاملين الصحيين المؤهلين.
من بين هذه الابتكارات، روبوت يُدعى “آيرِك”، تم تطويره في جامعة واسيدا في طوكيو، وهو روبوت ذكي قادر على تقديم المساعدة الجسدية للمسنين، مثل لفّهم برفق على الجانب لتغيير الحفاضات أو لتجنب التقرحات الناتجة عن النوم الطويل. يعتمد الروبوت على مستشعرات دقيقة تحلل وضعية الجسم ووزنه وتوزّع الضغط، ما يسمح له بأداء هذه المهام الحساسة بطريقة آمنة وغير مزعجة للمريض.
يبلغ وزن “آيرك” نحو 150 كيلوغرامًا، وقد أثبت فعاليته في التجارب الميدانية داخل مراكز رعاية متخصصة، حيث ساعد الطواقم الطبية في أداء المهام اليومية الشاقة. ويسعى مطوّروه إلى طرحه تجاريًا بحلول عام 2030، بسعر يُقدر بحوالي 10 ملايين ين ياباني، أي ما يعادل نحو 67 ألف دولار.
وفي سياق متصل، طوّرت مؤسسة بحثية يابانية روبوتًا آخر يحمل اسم “روبير”، يتميّز بمظهر يشبه رأس دب لطيف، لتخفيف التوتر والخوف لدى المرضى. صُمم هذا الروبوت خصيصًا لنقل كبار السن من السرير إلى الكرسي المتحرك والعكس، مستعينًا بمفاصل مرنة ومستشعرات للمس لتحديد الضغط المناسب على الجسد. وعلى الرغم من بنيته القوية، فقد جرى تصغير وزنه ليصبح أكثر ملاءمة للاستخدام في البيئات الضيقة داخل دور المسنين.
ولا تقتصر الابتكارات على الجوانب الحركية فحسب، بل تشمل أيضًا الجانب النفسي والعاطفي. فقد أثبت روبوت “بارو”، المصمّم على هيئة حيوان أليف لطيف، فعاليته في التفاعل مع مرضى الخرف، حيث يستجيب للمس والصوت ويصدر أصواتًا مهدئة، ما يُساعد في تخفيف مشاعر القلق والعزلة لدى كبار السن.
وقد لقيت هذه المبادرات الحكومية والتكنولوجية ترحيبًا واسعًا في المجتمع الياباني، إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية المواطنين لا يمانعون استخدام الروبوتات في مجال الرعاية الصحية، طالما أن ذلك يضمن كرامة المسن وسلامته. وتدعم الحكومة اليابانية هذه التوجهات من خلال تمويلات خاصة وبرامج لتشجيع اعتماد الروبوتات في مؤسسات الرعاية، ضمن رؤيتها لبناء “مجتمع ذكي” قائم على حلول رقمية متقدمة.
التحدي الأبرز أمام هذه الابتكارات لا يزال في الكلفة العالية لهذه الأجهزة، وكذلك في ضرورة تطويرها لتكون قادرة على التفاعل مع الحالات المعقدة والمتغيرة. إلا أن الخبراء يرون أن الفوائد بعيدة المدى – سواء في تخفيف الضغط عن الممرضين أو تحسين نوعية حياة المسنين – تفوق بكثير التحديات التقنية والمالية.
إن تجربة اليابان في هذا المجال تُعدّ نموذجًا عالميًا لكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات في خدمة الإنسان، لا سيما الفئات الضعيفة من السكان. وفي ظل التوقعات بزيادة كبيرة في عدد كبار السن في مختلف أنحاء العالم خلال العقود المقبلة، قد تصبح هذه التكنولوجيا ركيزة أساسية في أنظمة الرعاية الصحية المستقبلية.