.jpg)
في خطوة تكنولوجية جديدة تمزج بين الابتكار والطب النفسي، كشفت شركة ناشئة متخصصة في التقنيات القابلة للارتداء عن ساعة ذكية متطورة قادرة على اكتشاف نوبات القلق قبل حدوثها. وتُعدّ هذه الساعة نقلة نوعية في مجال العناية بالصحة النفسية، إذ تعتمد على مزيج من الذكاء الاصطناعي والتحليل البيومتري للتنبؤ بالحالات العاطفية قبل تفاقمها، مما يمنح المستخدم فرصة للتصرف والوقاية قبل الانزلاق في نوبة من التوتر أو الذعر.
تعمل الساعة عبر تحليل مستمر لمجموعة من المؤشرات الحيوية، أبرزها معدل ضربات القلب، وتقلّبات معدل التنفس، وتغيرات درجة حرارة الجلد، بالإضافة إلى النشاط الكهربائي للجلد المعروف باسم “EDA”، وهو مؤشر موثوق للتوتر العصبي. وباستخدام خوارزميات تعلّم آلي متقدمة، تتابع الساعة نمط هذه المؤشرات وتبحث عن أنماط متكررة تشير إلى بداية اضطراب داخلي.
وتعتمد هذه التقنية على قاعدة بيانات ضخمة تم جمعها من آلاف المستخدمين الذين يعانون من اضطرابات القلق، حيث طوّرت الخوارزمية القدرة على التنبؤ بنوبة القلق قبل وقوعها بفترة تتراوح بين 5 إلى 30 دقيقة، ما يمنح الشخص الوقت الكافي لاتخاذ تدابير وقائية، مثل التنفس العميق، الابتعاد عن مصادر التوتر، أو التواصل مع الأصدقاء أو الأخصائيين.
وفي تصريح للشركة المصنّعة، أكّد المدير التنفيذي أن هذه الساعة تهدف إلى “توفير الدعم الاستباقي للأشخاص الذين يعانون من القلق المزمن أو نوبات الهلع المفاجئة، حيث تكون الاستجابة المبكرة عاملاً حاسمًا في الحدّ من شدة النوبة أو تفاديها بالكامل”.
ومن أبرز ميزات الساعة الجديدة أيضًا أنها تتصل بتطبيق ذكي يُخزّن البيانات اليومية ويقدم للمستخدم تقارير دورية عن حالته النفسية، ونصائح لتحسين نمط الحياة والحد من التوتر. كما يتيح التطبيق إمكانيّة مشاركة هذه البيانات بشكل آمن مع الطبيب أو المعالج النفسي، ما يساعد في تحسين جودة الرعاية الصحية ومتابعة العلاج بشكل دقيق.
وقد بدأت بالفعل اختبارات محدودة في مراكز متخصصة في علم النفس السلوكي في الولايات المتحدة، حيث جرى توزيع الساعة على مجموعة من الأشخاص المصابين باضطرابات القلق العام ونوبات الهلع. وأظهرت النتائج الأولية أن نحو 78% من المشاركين شعروا بتحسن في السيطرة على حالاتهم النفسية، خصوصًا بعد تلقّي إشعارات مبكرة مكّنتهم من تفادي التصعيد العاطفي.
الساعة لا تقتصر على التنبؤ بنوبات القلق فحسب، بل تملك أيضاً قدرات على تتبّع جودة النوم والتوتر المزمن، الأمر الذي يجعلها خياراً مثالياً للأشخاص الذين يبحثون عن وسيلة شاملة لمراقبة صحتهم النفسية والعاطفية.
ويرى مختصون في الصحة النفسية أن هذه التكنولوجيا قد تفتح الباب أمام تطور نوعي في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، لا سيّما أنها تدمج الذكاء الاصطناعي بالمشاعر البشرية، وتسعى لفهم الاحتياجات النفسية في الوقت الفعلي. لكنهم في المقابل يحذرون من الإفراط في الاعتماد على الأجهزة دون دمجها في خطة علاجية شاملة يشرف عليها مختصون.
الاهتمام بالابتكار في هذا المجال يتزايد، في وقت تشير فيه الإحصاءات إلى ارتفاع معدلات القلق عالمياً، خصوصاً في فئات الشباب واليافعين. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن اضطرابات القلق باتت واحدة من أكثر مشكلات الصحة النفسية شيوعاً، وتؤثر في الإنتاجية، ونوعية الحياة، وحتى الصحة الجسدية.
ومع استمرار تطور التقنيات القابلة للارتداء، تُظهر هذه الساعة الذكية كيف يمكن للتكنولوجيا أن تتجاوز دورها التقليدي كأداة للرفاهية أو اللياقة، لتصبح شريكاً فعّالاً في صون التوازن النفسي، وتقديم استجابة فورية لحالات هشّة قد تكون، في ظروف معينة، مهددة للحياة.