في مثل هذا اليوم، رحل المفكّر السياسي يوسف السودا، وقد ارتأت الدائرة الثقافية في جهاز الإعلام والتواصل في “القوّات اللبنانية” تسليط الضوء على أبرز محطات حياته، نظرًا لما مثّله من قدوة في الوطنية والفكر. فقد عاش مناضلًا متميّزًا ومفكّرًا عميقًا، مدركًا لصيغة لبنان التعددية التي لا يمكن أن تُصان إلّا بالمواطنة الحقيقية والانتماء الوطني الخالص.
وُلد يوسف السودا عام 1888 في بلدة بكفيا. والده حنّا، ووالدته بادوان، ابنة الشيخ أمين نصّار من بكفيا. التحق بمدرسة مار عبدا في بلدته وهو في الخامسة من عمره. وفي عام 1898، تابع دراسته في مدرسة الحكمة في بيروت، ثم انتقل إلى مدرسة القديس يوسف للآباء اليسوعيّين، وتخرّج فيها عام 1905.
سافر إلى مصر والتحق بمكتب الحقوق الفرنسي في القاهرة، حيث نال الشهادة الجامعية عام 1908. تزوّج من كاترين عوّاد في 3 تموز 1930. وأقام في الإسكندرية، حيث مارس مهنة المحاماة، قبل أن يتحوّل إلى العمل السياسي.
خدم القضيّة اللبنانية عبر الجمعيات التي أسّسها أو انضمّ إليها، ووقف على المنابر مدافعًا عن الفكرة اللبنانية. أسّس عام 1909 “الاتحاد اللبناني” في مصر مع نخبة من الأدباء اللبنانيين المغتربين، بهدف العمل على تحقيق استقلال لبنان وسيادته.
بعد عودته إلى الوطن عام 1922، رأى السودا أنّ إصلاح لبنان يبدأ بالإنسان. تأثّر بالحركات الثورية التي قادها جيل جديد مدرَّب، فقرّر أن يُنشئ جيلًا يؤمن بلبنان وبقيمه. أسّس مع الأديب عبدالله حشيمه البكفاوي فرقة “السبّاقة”، تيمنًا بطلائع جيش فخر الدين، وانطلقت فرق مشابهة لاحقًا في ميفوق، زغرتا، وحصرون، ترفرف فوقها راية الأرزة الخضراء على قماشة بيضاء. وكان هدف هذه الفرق تنمية روح الانتماء لدى الشباب، وزرع محبة لبنان في قلوبهم، وحثّهم على التضحية في سبيله.
في عام 1926، أصدر جريدة “الراية”، ثم أعاد إصدارها عام 1937 بعد أن أوقفتها سلطات الانتداب. في العام نفسه، أنشأ حزب المحافظين.
انتُخب نائبًا عن جبل لبنان عام 1925، ثم عُيّن نائبًا عن الشمال عام 1929، وشارك في لجنة الإدارة العامة والعدلية. وفي عام 1936، أسّس مع مجموعة من اللبنانيين “الجبهة القومية” و”القمصان الخضراء”. عام 1938، شارك في وضع “الميثاق الوطني”، وجدّد نشاط “منظّمة السياحة” (1919 – 1937). وفي عام 1939، ساهم في إعداد دستور “الجبهة اللبنانية” وطرح الفكرة القومية لبناء لبنان المستقبل.
عُيّن وزيرًا للعدلية والشؤون الاجتماعية عام 1958، كما شغل منصب سفير لبنان في البرازيل (1946–1952)، ثم سفيرًا لدى الفاتيكان (1953–1955).
خلّف يوسف السودا إرثًا غنيًّا من المؤلفات، أبرزها: نظام لبنان الأساسي وقرارات الدول؛ في سبيل لبنان؛ استقلال لبنان والاتّحاد اللبناني في القطر المصري؛ في سبيل الاستقلال، مذكرات سياسيّة؛ بين القديم والحديث، بحث قانوني في نظام لبنان القديم ونظامه الحديث؛ رسالة إلى العميد، مقالات وجّهها إلى المندوب السامي في جريدة الراية عام 1927، منشورات الراية، افتتاحياته في جريدة الراية؛ لبنان وبروتوكول الاسكندرية؛ الأحرفية في قواعد اللغة العربية؛ الكتاب الأخضر؛ الخيانة العظمى؛ مرافعات منتخبة؛ تاريخ لبنان الحضاري.
تتلاقى “الدائرة الثقافية” مع فكر يوسف السودا الذي شكّل نموذجًا في العمل السياسي الراقي، إذ دعا إلى أن تتوحّد الطوائف اللبنانية في شعب واحد، ينعم بالأمن والاستقرار والنمو والازدهار تحت راية الوطن، وإيمانًا به، وحبًّا له.
