
في بيروت، لا تمرّ السنوات… بل تزداد ثقلاً. والجرح لا يلتئم، بل يُنقّب أكثر.
في 4 آب من كل عام، نُطفئ الشموع ونوقد النار. نرثي ونثور. نلملم الدموع ونزرعها صرخات.
بيروت التي رُفعت عنها صلاة الأمان عند السادسة وسبع دقائق مساء الثلاثاء المشؤوم، ما زالت تحفر في الرمل الزمني سؤالاً قاتلاً:
من فجّر المدينة؟ ومن هرّب الموت إليها؟ ومن غطّى؟ ومن سكت؟ ومن أدار ظهره؟ ومن يجب أن يُحاسب… ولو بعد حين؟
في الذكرى الخامسة لانفجار المرفأ، لبنان يُحيي يوم الحداد الوطني السنوي، بوجع لا يشبه أي وجع.
أكثر من 220 شهيدًا ارتقوا، مئات البيوت سُويت بالأرض، أرصفة صارت مقابر، وناس يمشون في المدينة كأنهم ناجون من القيامة.
ولكن… وسط الركام، وُلدت أيضًا الحياة:
لن ننسى الأطفال الثلاثة حديثي الولادة، الذين أنقذتهم الممرضة البطلة باميلا زينون من تحت الردم في مستشفى الروم. هم اليوم في عامهم الخامس. قد لا يعرفون بعد أنهم وُلدوا في “ساعة الحطام”، لكنهم كبروا على قصة تُروى في كتب النبالة، وتُكتب في وجدان الوطن: أن الطفولة قاومت الموت… وأن لبنان لا يموت.
بالعودة الى ملف التحقيق، لا يزال “اللغز” قائمًا، وكأننا أمام حبكة بوليسية معقّدة، أبطالها متعددو الجنسيات، والنيترات فيها ليس كيمياءً فقط، بل سياسة وتآمر وتواطؤ دولي.
النيترات جاءت من المجهول، وعُبئت بصمت، وتُركت عمداً، وانفجرت عمداً ؟؟
والعدالة التي انتظرناها خمس سنوات، تُسجَن كل مرة في أدراج السياسة، ويُرمى ملفها بين أيدي القضاة والعسكريين والسياسيين والمصرفيين، والمُدانين المحتملين.
لكن هل تغيّر شيء اليوم؟
نعم… المنطقة تتغيّر.
المعادلات تتهاوى، والأقنعة تسقط. والهيبة الدولية لم تعد تُحمى من الحساب. والشعوب في يقظة. في ظل هذا التحوّل الإقليمي، ومع التحقيق الفرنسي الموازي، والضغط الدولي، وعودة القاضي طارق البيطار إلى الميدان، ننتظر عدالةً بحجم الفاجعة، وعدالةً لا تساوم، ولا تُساير، ولا تخضع…
تلك العدالة ليست لأهالي الضحايا فقط، بل لكل لبناني يرفض أن يعيش في بلد قابل للانفجار في أي لحظة، بصاعق داخلي أو خارجي.
هي العدالة لكرامة بيروت، لضمير الشعوب، والعدالة هي لِحقّنا في أن نعرف من باع، ومن خزّن، ومن فخّخ، ومن خان.
اليوم، في ذكرى الرابع من آب، لن نضع الزهور فقط، بل نضع عهداً:
لن ننسى. لن نسامح. لن نتراجع. ولن نسكت. لأن العدالة، وإن تأخّرت، لا بد أن تصل…
وفي زمن التغيّرات الكبرى، كل المجرمين سيُكشفون…
ولن يكون هناك مرفأ آمن للقتلة.
