#dfp #adsense

ما وراء التصعيد الكلامي لـ”الحزب”

حجم الخط

في ظل اشتداد الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية على لبنان، ومع اقتراب موعد جلسة مجلس الوزراء التي ستتناول للمرة الأولى بشكل واضح مسألة سلاح “الحزب”، يتصاعد الخطاب السياسي والديني الموالي للحزب على نحو غير مسبوق، في محاولة لإجهاض أي نقاش سيادي حقيقي. الخطاب الأخير للمقربين من الحزب لا يخرج عن هذا السياق، بل يؤكّد أن المواجهة اليوم لم تعد بين مشروعين سياسيين فحسب، بل بين منطق الدولة ومنطق الهيمنة.

اللافت في هذا الخطاب، وفي مجمل ما يصدر عن من يدور في فلك الحزب، هو الانتقال من لغة “الثقة بالنفس” إلى لغة التخويف والابتزاز السياسي. فبين التحذير من أن “رأس لبنان سيكون بيد إسرائيل”، واعتبار أي نقاش في موضوع السلاح نوعاً من “الانتحار الوطني”، تتضح محاولة فرض معادلة جديدة على اللبنانيين: إما القبول بشروط الثنائي الشيعي، أو الدخول في المجهول.

 

التهويل علامة ضعف، لا قوة

هذا النوع من الخطاب ليس جديداً، لكن توقيته ودقّته يحمل دلالة بالغة: فحين يشعر الطرف الأقوى فعلياً – عسكرياً وتنظيمياً – بالحاجة إلى الاستنفار الكلامي والديني والسياسي، فذلك يعني أن الهامش السياسي بدأ يضيق، والاحتضان الوطني يتآكل، والشرعية الشعبية تتراجع.

التهويل في الخطاب ليس دليلاً على الجاهزية للمعركة، بل مؤشر على القلق من لحظة سياسية مفصلية قد تؤدي إلى سحب الغطاء عن المعادلة التي حكمت لبنان منذ اتفاق الدوحة عام 2008، وكرّست “توازن الرعب الداخلي” الذي ثبّت سلاح “الحزب” كأمر واقع مقابل استقرار هشّ. هذه المعادلة لم تُنقذ لبنان، بل كبّلته، وأوصلته إلى أزماته المتلاحقة، وصولاً إلى الانهيار الشامل الذي نشهده اليوم.

 

الدولة حين تقرّر

رغم كل محاولات التخويف، يبقى الواقع اللبناني مختلفاً. لا أحد ينادي اليوم بحلّ أمني أو مواجهة داخلية أو إلغاء طرف. المطلوب ببساطة، وهو حق، أن تُعيد الدولة تنظيم علاقتها بكل مكوناتها وفق الدستور، وأن تستعيد حصرية القرار السيادي، العسكري، والأمني.

فالدستور اللبناني، في مقدمته ومادته الأولى، يُحدّد بوضوح أن لا شرعية لأي سلطة تُناقض ميثاق العيش المشترك، ويُكرّس احتكار الدولة وحدها للسلاح ولسلطة القرار الأمني والعسكري، ما يجعل استمرار أي سلاح خارجها خرقًا مباشرًا للدستور ولجوهر الصيغة اللبنانية.

ولعلّ ما يُقلق “الحزب” فعلاً هو إدراكه أن الدولة، إذا ما قررت، لا تحتاج إلى السلاح لتفرض منطقها، بل إلى شرعية مؤسساتها ووحدة موقفها. وأن أي قرار سياسي جامع اليوم، يستند إلى الإرادة الوطنية وليس إلى الاصطفافات الطائفية، سيُسقط كل ذرائع الحزب ويُفقده مشروعية التمدد خارج مؤسسات الدولة.

 

الفرصة الذهبية… الآن

التصعيد الكلامي المرتفع، سواء جاء على لسان نائب أو مفتي أو إعلامي، لا يعكس قدرة عملية على تعطيل الدولة إذا قررت أن تمضي في مشروعها السيادي. لم يعد سلاح “المقاومة” قضية إجماع، ولا “المعادلة الذهبية” تحظى بإجماع وطني، ولا الثنائية الشيعية قادرة على مصادرة القرار السياسي الداخلي كما في السابق.

والأهم، لم يعد اللبنانيون يخافون من مواجهة الحقيقة: لا يمكن بناء وطن بقلبين: واحدٌ للدولة، وآخر للمقاومة. إما أن يكون القرار واحداً، أو لا يكون هناك وطن فعلاً. اللحظة اليوم ليست لحظة مواجهة داخلية، بل لحظة ترتيب أوراق الدولة وفق منطق الدستور، واستعادة هيبتها، وإعادة الاعتبار لمؤسساتها.

 

المعركة ليست ضد طائفة، بل من أجل الدولة

الخطأ الاستراتيجي في خطاب “الحزب” ومحيطه هو افتراض أن أي مسّ بسلاحه هو بالضرورة مسّ بطائفة أو بمكوّن. بينما الحقيقة أن ما يُطرح اليوم هو منظومة دفاع وطني موحدة تُعطي الجيش الكلمة الأولى والأخيرة، وتُعيد كل عناصر القوة، مهما كانت، إلى كنف الدولة.

لا أحد يدعو إلى إلغاء أحد، بل إلى شراكة فعلية لا شكلية، وإلى وحدة قرار لا تعددية قرارات، وإلى مؤسسة جيش واحدة لا جيوش موازية. لقد انتهت “مقاومة” تحرير الأرض عام 2000. ما نشهده منذ ذلك الحين ليس مقاومة، بل هو توظيف السلاح في خدمة أجندة إقليمية لا علاقة لها بلبنان. من حرب سوريا إلى الساحات الأخرى، مروراً بالهيمنة على القرار الداخلي، تحوّل السلاح من عنوان للتحرير إلى أداة لفرض الوصاية.

والأخطر أن هذا السلاح بات يشكّل عبئًا استراتيجيًا على لبنان في علاقاته الخارجية، ويُستخدم ذريعة لعزله دوليًا وعربياً، ويمنع عنه فرص الاستثمارات والدعم، في وقت يحتاج فيه اللبنانيون إلى كل نافذة انفتاح على العالم. إن ما يُطرح اليوم ليس نزع سلاح المقاومة، بل إنهاء وصاية مشروع إقليمي يستخدم لبنان كمنصة عسك…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل