.jpg)
لا رابع من آب بعد العام 2020 في روزنامة الحياة. لأنّ الذي افتعل وسبّب ونفّذ هذا اليوم هو بنفسه قد قتل الحياة بذاتها.انفجار أو تفجير، هذه هي الإشكاليّة التي ما زالت صالحة في الذكرى الخامسة لمحاولة اغتيال بيروت.
نحن نعرف الحقيقة لكنّنا نريد العدالة كي لا تقتل الشهادة. فكلّ الذين سقطوا في مثل هذا اليوم هم ضحايا أو شهداء الواجب الذين سقطوا نتيجة الفساد والاهمال واللامسؤولية والخوف من السلاح غير الشرعي؛ والأهم لو أنّ الذين كانوا في سدّة المسؤوليّة يومذاك تجرّؤوا وقالوا الحقيقة مهما كانت صعبة، لما كان هذا اليوم محذوفًا اليوم من روزنامة هذه الحياة. لكن يقيننا أنّ هؤلاء حتى لو أنّهم مرّوا على هامش هذه المدرسة يومًا ما، فإنّهم لم يتعلّموا منها شيئًا، لأنّهم توّجوا أبطالا في مدرسة الـ47 دقيقة.
كلّنا إيمان أنّ عدالة السماء ستصوّب مسار عدالة الأرض. وستطيل أعمار هؤلاء كلّهم ليشهدوا على احتراقهم في سدومهم وعمورتهم بالزيت والكبريت والنار. وكما شهدنا على تهاوي جبروتهم التهديدي سنشهد على تهاوي هذا الجبروت. بالعدل والسياسة والحقّ مهما تجبّروا وتكابروا وتكاذبوا.
ما حصل في مثل هذا اليوم هو خطيئة مميتة بحقّ الإنسانيّة جمعاء. قتلوا ذلك الإنسان المتبقي في قلب إنساننا. لأنّنا قياميّون أقمنا هذا الإنسان الذي فينا وتعالينا عن ذلك الجرح الذي لم يندمل بعد وأعلنا فعل بقائنا حتّى يموت الأرز وتزول بيروت. فاطمئنّوا لا الأرز يموت ولا بيروت تزول. فلبناننا الآتي باقٍ حتى انقضاء الدّهر.
لبنانكم أنتم تحالف بين الـ47 دقيقة والنيترات نتيجته الرياء والدمار والاندثار حتى الزوال. أمّا لبناننا فتحالف بين الحقيقة والتاريخ نتيجته حضور في الوجودحتى البقاء.
لبنانكم أنتم شعارات فارغة تتستّر بقدسيّة المقاومة والاصلاح والتغيير؛ وما تغيّر شيء بزيف مقاومتكم المساوِمَة ولا بإصلاحكم الذي هو بنفسه بحاجة إلى إصلاح. أمّا عن التغيير فيكفي أن ندرك أنّكم أنتم تتغيّرون ولا تُغيِّرون لأنّكم لستم أبناء الحقيقة.
وحدهم أبناء الحقيقة يُغيِّرون ولا يتغيّرون. ومقاومتهم لا تعرِف المساومات ولا تنتظر المفاوضات. هؤلاء لا يبيعون خطوط طول وعرض ليحافظوا على وجودهم، بل يرسمون حدود وطن بدمائهم الذكيّة، ويرسِّمونها بكلمتهم الصادقة لأنّهم هم أبناء ” الكلمة”.
تتزامن ذكرى الرابع من آب هذه السنة مع بدء استعادة الدولة لانتظامها المؤسساتي، ولاسيّما بعد إقرار قانون استقلاليّة القضاء الذي كان لتكتّل الجمهوريّة القويّة الدور الأبرز فيه. فضلًا عن الدفع نحو إقرار التشكيلات القضائيّة. وهذا ما يعد بالوصول إلى محاسبة مسبّبي هذا الشرّ وفعَلَة الشيطان وزارعي الزّؤان في حقل الرّبّ.
لبنان يا سادة قبل كلّ شيء هو أرض القداسة. وفيها تزهر أزاهير الخير لا أزاهير الشرّ التي رووها بأحقادهم، وزرعوها بمكرهم على أنّها فوّاحة حياة؛ لكنّ رائحة الموت عبقت من ثقافتهم فتفجّرت بيروت غيظًا منهم لتلفظهم. ولكنّ هذه الأزاهير السود لتحترق قد أحرقت معها أجمل أزهار بيروت. هذه الأزهار التي أضحت قرابين لحياتنا نحن اليوم، “حقّهم” علينا أن ندفع بسيف العدالة القاطع على ميزان التّاريخ أن يعيد تصويبه في جلسة ٥ آب غدًا لنغسل العار الذي ارتكبوه في ٤ آب يوم حاولوا تسويدَ لبنان مثل قلوبهم ليتسيّدوه.
هم سقطوا أمام سيادة لبنان. ولأن لا سيّد إلّا الرّبّ، فالتسويد والتسيُّد قد سقطا أمام عرش الوطن.
وحدها بيروت، ولو مكلومة، قامت، وهم ماتوا ولن يقوموا لأنّ أبناء الشرّ ليسوا قياميّين. فهم أبناء الموت أمّا بيروت فبنت القيامة هي. ونحن من الرحم الذي ولدت منه بيروت ولدنا. لذلك، نؤمن أنّنا حتمًا قائمون. وهذه الخطيئة المميتة بحقّ الإنسانيّة جمعاء، لن ننساها طبعًا، لا لأنّنا نعيش في أحقاد الماضي كأولئك الذين يركبون الأمواج التسوناميّة ليدمّروا بوصولهم ما تمّ بناؤه، بل لأنّنا نعرف كيف نغفر سبعين مرّة سبع مرّات، ونعرف أنّ المحبّة وخدها تبني بينما الحقد وحده الذي يهدم.
تاريخ 4 آب سنقفل عليه باب المقابر غدًا في جلسة ٥ آب. وسيوارى فاعلوه في ثرى الظلام نتيجة لما ارتكبته أيديهم. أمّا نحن ولبناننا الجديد فلنا الثّريّا لأنّنا لسنا من هذا العالم، بل عالمنا حيث الحقّ والنور والحرّيّة، لأنّنا أبناء القضيّة لن نموت بموتهم بل نحيا بنور الحياة لأنّنا أبناء هذا النور الذي أتى وسوف يأتي في مجيء ثانٍ أكيد.
