.jpg)
في مدينة كانت تنبض بالحياة، تحوّل يوم الرابع من آب، إلى جرح ينزف كلما مرّت عليه الأيام. لم يكن ذلك التفجير مجرد حدث، بل كان طعنة في قلب كل لبناني، وفي قلب كل إنسان أحب بيروت. في تلك اللحظة التي ساد فيها صمت الموت، ثم ارتفع صراخ الألم، لم يكن الخاسرون مجرد أرقام في نشرة أخبار، بل كانوا أرواحاً وأحلاماً وقصصاً حُرمت من نهاياتها السعيدة.
الذاكرة في ذلك اليوم هي ذاكرة الخوف الذي تجمّد في العيون، هي ذاكرة الأم التي فقدت طفلها في لحظة كانت تستعد فيها للعشاء، وذاكرة الشاب الذي كان يتجهز لمستقبله ويجهد في عمله، فإذا به يجد نفسه تحت الأنقاض، هي ذاكرة تلك البيوت التي كانت تشهد على دفء العائلة، فتحوّلت إلى ركام يختبئ بينه وجع الأمس.
الألم الذي خلفه تفجير مرفأ بيروت لم يكن مادياً فقط، لم يكن مجرد زجاج مكسور أو حجر متناثر، كان ألماً نفسياً عميقاً، ألماً يطارد الناجين في أحلامهم، ويرافقهم في يقظتهم، هو شعور بالخذلان من دولة لم تحمِ أبناءها، بل تركتهم فريسة للإهمال والجشع، هو شعور بالقهر من العدالة التي غابت، ومن الحقيقة التي ما زالت مغيّبة خلف جدران الصمت.
لم يعد تفجير مرفأ بيروت مجرد تاريخ، بل شعور دائم بالضيق والغصة، وكلما مرّ الرابع من آب، تعود تلك المشاهد الحية في الذاكرة، ويختنق الصوت بالدموع، وتتجدد الرغبة في الصراخ بأعلى صوت: “لماذا؟”، هذا السؤال يتردد صداه في شوارع بيروت، في قلوب أهلها، وفي كل مكان تذكّر فيه هذه الفاجعة.
على الرغم من كل هذا الألم، تظل بيروت صامدة، لا لأنها قوية بالمعنى التقليدي، بل لأن أهلها يرفضون أن يستسلموا لليأس. يحملون جرحهم في قلوبهم، لكنهم يزرعون الأمل في كل زاوية. يحاولون ترميم ما يمكن ترميمه، ليس فقط من الجدران، بل من الأرواح أيضاً. فبيروت ليست مجرد مدينة، بل هي روح، هي قصة شعب يرفض الموت، ويتمسّك بالحياة، حتى في أحلك الظروف. فجرح بيروت هو جرح كل إنسان يحمل في قلبه حب هذه المدينة، وسيبقى هذا الجرح يذكّرنا بضرورة أن نحاسب، وأن لا ننسى، وأن نُعيد لبيروت وجهها الجميل الذي تستحقه. واليوم، نسأل، إلى متى سنبقى نتذكّر الجرم، ألم يحن الوقت ليصدر الحكم؟
