.jpg)
لقد اعتقد الكثيرون الى حد التأكد والوثوق، بأن تزامن خطاب أمين عام “الحزب” الشيخ نعيم قاسم مع الجلسة المنتظرة منذ نيل حكومة نواف سلام الثقة من المجلس النيابي، كان من شأنه أن يجفّل ويخوّف الوزراء المجتمعين في بعبدا ويفرمل اندفاعة العهد ويبطل مفاعيل خطاب القسم ومضمون البيان الوزاري ومندرجات القرارات الدولية المدرجة في اتفاق وقف إطلاق النار المُصدق من وزراء نعيم قاسم في جلسة 27 تشرين الثاني من العام 2024.
كما أن الكثيرين لم يصدّقوا ما سمعوه من “برمجة زمنية” محددة بمهلة نهاية العام الحالي، على لسان رئيس الحكومة نواف سلام بعد سيل من التهديدات والتخويفات والتسريبات التي وردت على ألسنة قيادات “الحزب” ونوابه ومواقعه وشاشاته وصحّافييه وأبواقه، متذكرين الحملة الممنهجة على وزراء “القوات اللبنانية” الذين كانوا أول من طرحوا وكرروا على طاولة مجلس الوزراء، ضرورة وحتمية “جدولة زمنية لنزع السلاح غير الشرعي”، مستدركين بعد سماع مقررات الخامس من آب من العام 2025 صدق العبارة الأحب على قلب رئيس القوات الدكتور سمير جعجع “ما بصحّ الا الصحيح”.
لم يشذ الشيخ قاسم في إطلالته الأخيرة مستظلّاً بصورة اللواء الإيراني محمد سعيد إيزدي (الحاج رمضان) ممول ومموّن ومزوّد “الحزب” في ذكراه الأربعين، عن مسار “الحزب” وعادته في حرف الحقائق وإنكار الوقائع والعجز عن قراءة صحيحة للنصوص والدساتير والقرارات والبيانات والخطابات، مع توّهم فائض قوة متراجع مضمحل الى حد الوهن والانقراض.
فبالإضافة الى رفضه لما عاد وأقره مجلس الوزراء من جدولة زمنية لحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية بقواها الشرعية الرسمية، إدعى قاسم مخطئًا خاطئًا بأن “المقاومة هي جزء من دستور الطائف، منصوص عليها هناك في الإجراءات التي يجب أن تُتخذ بكلّ الأشكال لحماية لبنان، ولا يمكن لأمر دستوري أن يُناقش بالتصويت، الأمر الدستوري يتطلّب توافقًا، ويتطلّب مشاركة مكوّنات المجتمع كافة لتتفاهم على القضايا المشتركة”.
أول من كشف خطأ وخطيئة قراءة الدستور وحتى الالتفاف عليه هو قاسم نفسه، إذ أقر نائب الأمين العام لـ”الحزب” في كتابه “الحزب” المنهج، التجربة المستقبل” في الصفحة 164، “أسئلة صعبة واجهت الحزب مع تكوين دولة الطائف بالنسبة لقرار الدولة تجريد الميليشيات من سلاحها، وبما أن الحزب بنى أولويته على المقاومة، حصل على ضمانات سوريّة بعدم التعرّض له… هذا القرار السياسي أخرج الحزب من دائرة البند الوارد في الطائف والمتعلق بتجريد الميليشيات من سلاحها، ليشكل القرار الاقليمي السوري بتبني حق المقاومة”.
وترد على هذه القراءة غير الصحية وغير الصحيحة ببنود الدستور بحد ذاته، إذ إن الفصل الثاني من وثيقة الوفاق الوطني التي اقرّها اللقاء النيابي في مدينة الطائف بتاريخ 22 تشرين الأول من العام 1989 والتي صدّقها مجلس النواب اللبناني في جلسته المنعقدة في القليعات بتاريخ 5 تشرين الثاني من العام 1989، يحمل عنوانًا واضحًا هو بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية وقد ورد هذا الفصل، في الشكل، قبل الفصل “ثالثًا” الذي ورد بعنوان تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، مما يؤدي، في الشكل على الأقل الى الاعتبار بأن بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية يرتدي أولوية خاصة، تعلو سواها من الاعتبارات الأخرى وتخدم مسألة تحرير لبنان… ووثيقة الوفاق الوطني شدّدت تحت الفصل الثاني على “الاتفاق بين الأطراف اللبنانية على قيام الدولة القوية القادرة المبنية على أساس الوفاق الوطني، ووضع خطة أمنية هدفها بسط سلطة الدولة اللبنانية تدريجيًا على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية”. كما شددت الوثيقة على الإعلان عن حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها الى الدولة اللبنانية خلال ستة أشهر من دون التفريق بين ميليشيا لبنانية وميليشيا غير لبنانية أو بين ميليشيا لبنانية وميليشيا لبنانية أو بين ميليشيا ومقاومة. وجاء في البند 3 من الفصل ذاته تحت عنوان “تعزيز القوات المسلحة”: “إن المهمة الأساسية للقوات المسلحة هي الدفاع عن الوطن” … “ويجري توحيد وإعداد القوات المسلحة وتدريبها لتكون قادرة على تحمل مسؤولياتها الوطنية في مواجهة العدوان الإسرائيلي” و”إن هدف الدولة اللبنانية هو بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية”.
إن قراءة البند “ثالثًا” من وثيقة الوفاق الوطني حول “تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي”، تحدد بوضوح آلية معينة لتحقيق استعادة سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دوليًا، وهذه الآلية معددة ومفصلة بصورة متدرجة بدءًا من الفقرة “ألف” التي تشدد على ضرورة: العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن الدولي القاضية بإزالة الإحتلال الاسرائيلي إزالة شاملة، مرورًا بالفقرة “ب” التي تشير الى التمسّك باتفاقية الهدنة الموقعة في 23 آذار من العام 1949، وصولاً الى الفقرة “ج” التي تطالب باتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها (…). البند “ج” ذاته، حدد الآلية العملية لبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دوليًا، والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني لتأمين الانسحاب الاسرائيلي ولإتاحة الفرصة لعودة الأمن والاستقرار الى منطقة الحدود.
وهذا البند لم يشر الى أي جهة أخرى غير الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية في الجنوب ولم يتكلم عن أي سلاح آخر غير شرعي لتأمين تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي.
أما وقد أقر مجلس الوزراء مجتمعًا الخطوة الأولى ولو متأخرًا على طريق “الجمهورية القوية” وعلى طريقة وزراء “القوات اللبنانية” بأنه “تم تكليف الجيش اللبناني بوضع خطة تطبيقية بشأن آلية حصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية العام الحالي، على أن يتم عرضها على مجلس الوزراء قبل نهاية الشهر الحالي أيضًا لنقاشها وإقرارها”، وذلك على الرغم من التهديدات السابقة والمواكبة وانسحاب وزيرين فقط من أصل خمسة من ثنائي أمل ـ الحزب، كذلك نوقشت ورقة المقترحات الأميركية ذات الصلة، وسيستكمل نقاشها الخميس المقبل لإقرارها وقبولها على طاولة مجلس الوزراء، كونه صاحب السلطة والصلاحية التنفيذية وذلك على طريق الجمهورية القوية وانسجامًا مع مطالبة وزراء “القوات” وعلى ما كان طالب وشدد مرارًا وتكرارًا رئيس القوات سمير جعجع.
لن يكون ثبات إيمان القيمين على قيام الجمهورية القوية وبأنه “لا يصح الا الصحيح”، الا تعبيرًا صريحًا صادقًا لاحقًا لما قاله الدكتور سمير جعجع في خطاب قداس شهداء “المقاومة اللبنانية” من مزار سيدة لبنان في حريصا في 15 أيلول من العام 1991: “…ولكن مهلًا مهلًا أيها السادة، فللتاريخ تاريخ مشهود، فهو يمهل ولا يهمل، يغض الطرف أحيانًا لكنه لا ينسى، يتغاضى لبعض الوقت لكنه لا يرحم…”
.jpg)