
ذكي الشيخ نعيم قاسم! قبل قليل من انعقاد جلسة مجلس الوزراء التي خصصت لسحب سلاح ميليشياه، أطلّ على الجمهور الحبيب، واستبق قرارات الحكومة بالتهديد والوعيد بالحرب وبزرع إسرائيل بأمطار الصواريخ وبالتوتر الداخلي الكبير، إذا ما تجرأت الحكومة ووضعت جدولًا زمنيًا لتسليم السلاح وقال بما حرفيته، “لن نسلم سلاحنا”، في محاولة للهيمنة والتأثير النفسي على مقررات الجلسة، وفي الوقت عينه بدأت “الموتسيكات” المقاومة تجوب الضاحية ومحيطها. لم يكن يتوقع الشيخ نعيم ولا بيئته “المقاومة” أن الحكومة ستذهب في جدية ببحث أمر هذا السلاح، الى درجة اتخاذ قرار تاريخي بالنسبة للبنانيين، بالاعتراف الرسمي بأنه سلاح غير شرعي، حتى لو لم ترد العبارة في بيان الحكومة، وبالتالي يجب تسليمه للجيش.
قرار صادم للميليشيا بطبيعة الحال، وصادم أولًا وأخيرًا للشعب اللبناني المتعطش الملهوف المشتاق، لدولة قوية فعلية تحميه من غدر الزمان ومن تهديد الميليشيا واحتلال الدويلة للدولة.
صار عندنا دولة فعلية؟ عن جد؟ من حقنا أن نسأل بخوف وتردد، إذ ومنذ نحو النصف قرن ونحن نسأل عن تلك الضائعة التائهة بين الاحتلالات والميليشيات والأسلحة غير الشرعية، والمكونات العسكرية غير الشرعية، وعشنا وشهدنا على اليوم الذي اعترفت به الحكومة بأن سلاح “الحزب” صار مرفوضًا بالكامل ولا يعتبر سلاح ما كان يسمى “بالمقاومة” وكل سلاح خارج إطار الشرعية اللبنانية هو سلاح غير شرعي، وبناء عليه وقبل نهاية العام يجب أن يصبح هذا السلاح بعهدة الجيش اللبناني. الله الله على الشرعية والقوة والدولة الواثقة الخطوات التي عادت لتمشي ملكة.
هي إذًا الخطوة الأولى والأهم. اتخاذ القرار التاريخي الاستراتيجي لنزع سلاح “الحزب”. اففففف شو حلوة هذه العبارة، “نزح السلاح غير الشرعي”. لم تقلها الحكومة بهذا الوضوح أو بتلك الفظاظة، كانت أكثر لياقة مما نحب ونريد أن نسمع نحن الشعب، لكنها قالت ما هو أقوى بالمضمون إنما بكلام أكثر لياقة وتهذيبًا إذا جاز التعبير: “يضع الجيش جدولًا زمنيًا لتسليم السلاح قبل نهاية العام”، قبل نهاية العام، ما يعني أن المهلة لا يجب أن تتعدى الخمسة أشهر ليصبح البيت اللبناني نظيفًا من أي سلاح غير شرعي.
هؤلاء “الإنقلابيون”، بحسب توصيف الإعلام الممانع للوزراء السياديين، الذين اتخذوا القرار بالإجماع، بموافقة رئيس البلاد طبعًا ورئيس الحكومة، أخذوا لبنان الى مكان آخر، هو الانقلاب الفعلي نحو الشرعية والدولة القوية الفعلية، هي الخطوة الأولى الكبيرة في سلسلة خطوات ستأتي لاحقًا بالتأكيد، لإثبات قوة الدولة وحضور الجمهورية القوية في مقررات تاريخية مماثلة، ولا يهم ما ينشره الإعلام الممانع من سموم، إذ اعتبر أن الحكومة “تنقلب” على الدستور!! مهضومين الجماعة، وكأن الدستور اللبناني ينصّ على تسليح الميليشيات غير الشرعية وتكريس وجود دويلة داخل الدولة! مهضومين وقت تعصبوا لأن تبرز حقيقة النوايا الخبيثة المبيتة للبنان، والحقيقة تقول إن هؤلاء لا يريدون لبنان حرًا سيدًا مستقلًا، بل لبنان ساحة صراعات وميليشيات تعمل لأجل الخارج على حساب الكرامة الوطنية.
انتهى ذاك الزمن الرديء البائس، والدولة عادت لتعود دولة، ببطء نعرف لكن حسبها أنها تحاول وبقوة، وسلاحها الشرعية ونواب ووزراء سياديون، وعلى رأسهم “القوات اللبنانية”، يفعلون المستحيل لمساندة رئيس البلاد ورئيس الحكومة، لتكون القرارات وطنية سيادية بامتياز، على غرار قرار جدولة سحب سلاح “الحزب” من قِبل الجيش اللبناني.
لم يكن سمير جعجع جالسًا الى كرسيه في معراب يتأمل المشهد السياسي برفاهية من يملك الوقت، ليصدر البيانات تلو البيانات، بل كان يتجوّل يتصل يجتمع، يحاول مع قوى سيادية أخرى التلاقي على قرار موحد بشأن هذا السلاح، ليأتي قرار الحكومة على قدر طموحات اللبنانيين المتعطشين للأمان وللدولة القوية، وحصل. شكّل وزراء القوات في الجلسة رأس حربة في المواجهة، كما هي عادتهم دائمًا، وتماهى معهم وزراء سياديون، فجاء القرار التاريخي الذي وُصف بأنه الأول على طريق بناء الدولة منذ نحن نصف قرن.
دفعنا الثمن أضعاف الأضعاف ليصل اللبنانيون الى هذا القرار. دفعت القوات اللبنانية تحديدًا أثمانًا لا توصف، من دم آلاف الشهداء، من اعتقالات وحشية للمناضلين، وعلى رأسهم سمير جعجع، من اضطهادات، من اغتيالات، من نكران، من تهميش، ولم تتراجع القوات، حملت شعار ما بيصح الا الصحيح، على الرغم من كل المآسي والاحتلالات والصور التي بدت سوداء أبدية، لكن بالإيمان والعناد والتمسك بلبنان الدولة القوية، وصلنا الى ما نحن عليه، ولو كانت هي البداية، لكن كل شيء يبدأ من مكان ما، ببداية ما، وهذا طرف الخيط، قرار حكومي تاريخي يعيد بريق الأمل بدولة عن جد سيدة وحرة. صبرنا عقودًا، واجهنا إرهاب “الحزب” على مدار السنين، سلاحه تحول الى سيف يقطع أرقاب معارضيه. اغتال، أدخل لبنان بحروب عبثية مدمرة، دمر بيروت، هدد القضاء، استباح واحتل أراضي الكنيسة وآلاف الأراضي في كل لبنان، ومع ذلك لم تسكت “القوات اللبنانية”، جابهته غالبًا لوحدها، لم تستكين، لم تيأس، لم تمل، الى أن دخلت الحكومة بقوة، والبرلمان بقوة وبدا النضال الرسمي الفعلي من قلب الدولة لقلب الموازين. ساعدتنا الظروف الأخيرة بالتأكيد، لكن لولا العناد والنضال والتواصل المباشر مع سياديين التقوا مع القوات على نفس درب النضال لأجل لبنان، لما وصلنا الى ذاك القرار التاريخي.
أجمل ما يقال إن الميليشيا خارج الشرعية، وإن الشرعية ستستلم وحدها لبنان. هل نحن في حلم؟ المهم التنفيذ ثم التنفيذ فالتنفيذ، وصراحة طالما القوات في خلفية المشهد، أنا أثق وإيماني ساطع بوطني.
