انتظر اللبنانيون طويلًا هذه اللحظة… لحظة الحقيقة، التي تمثّلت بصدور قرار عن الحكومة اللبنانية يحدّد مهلة زمنية لسحب سلاح “الحزب”. وعلى الرغم من أن هذه اللحظة تأخّرت 35 عامًا، منذ إقرار “اتفاق الطائف” وحلّ الميليشيات، فإن “الحزب” كان الاستثناء نتيجة اتفاق سوري-إيراني عطّل نهوض الدولة، وأضعفها حتى استقوت “الدويلة” عليها وصادرت قرارها السيادي، لا سيّما في ما يتعلق بالسلم والحرب.
مرّ لبنان خلال هذه السنوات بمحطات قاتمة، بفعل النفوذ الإيراني الذي كرّسه “الحزب” بسلاحه، فأقحم البلاد في صراعات لا مصلحة لها فيها، وأدّى إلى كوارث متتالية أفضت إلى انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، وعزلة دولية سببها الانحياز الأعمى إلى سياسات إيران العدائية تجاه الشرق والغرب.
وبعد صدور قرار مجلس الوزراء أمس، ووضعه النقاط على الحروف في ما يخص سلاح “الحزب” على الرغم من كل الضغوط، توجّهت الأنظار إلى قيادته، مترقّبة ردّه وما سيتبعه من خطوات وتداعيات.
من الواضح أن “الحزب” غير مرتاح لهذا المسار. فهو يرفض تسليم سلاحه، ويواصل المراهنة على تغيّرات إقليمية وهمية. فجاءت ردّة فعله غاضبة ومخوّنة للرئيسين جوزيف عون ونواف سلام، واتّخذ موقفًا متمردًا، سياسيًا من خلال انسحاب وزرائه من مجلس الوزراء، وشعبيًا عبر إطلاق “كتيبة” الدراجات النارية في مناطق نفوذه، وهي تحرّكات منع الجيش اللبناني تمدّدها إلى المناطق الأخرى.
اكتملت الصورة ببيان رسمي صادر عن “الحزب”، هاجم فيه الحكومة وأعلن أنه سيتعامل مع قرار تحديد مهلة زمنية لتسليم سلاحه وكأنه غير موجود!.
لا شك أن “الحزب” مأزوم، فهو خاسر في كل الاتجاهات. ويصح القول إنه أمام “ساعة الحقيقة”، وقد ضاقت خياراته. من هنا جاء خطاب الأمين العام نعيم قاسم مضطربًا، متخبّطًا في تبريراته، مفبركًا مفاهيم مغلوطة حول اتفاق الطائف، ودور سلاح “المقاومة”، واعتبار قرار الحكومة خدمةً للمشروع الإسرائيلي، في حين إن مطلب نزع السلاح لبناني بامتياز. ويمكن القول إن “الحزب” بات أسيرًا لعقيدته الإيرانية وأدبياته البالية، غير قادر حتى على تخيّل واقع من دون “الهيمنة”.
لنتوقف أولًا عند ما تضمّنه القرار الحكومي، والذي قضى بتكليف الجيش اللبناني وضع خطة لحصر السلاح قبل نهاية العام الجاري، على أن تُعرض على مجلس الوزراء قبل نهاية آب الحالي، بالتوازي مع استكمال البحث في الورقة الأميركية المقدَّمة أمس.
وبعد هذا القرار، ورفض “الحزب” له كما أشرنا، يجد نفسه أمام سيناريوهات عدة:
السيناريو الأول: رفض خطة الجيش والامتناع عن التنسيق معه، ما قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة إذا تمّ إعطاء الجيش الضوء الأخضر لنزع السلاح بالقوة.
السيناريو الثاني: استمرار “الحزب” في الممانعة، مع اكتفاء الحكومة بالقرار السياسي من دون تنفيذ عملي، ما قد يُغري إسرائيل بشنّ عدوان شامل لتدمير الترسانة الصاروخية الاستراتيجية لـ”الحزب”.
السيناريو الثالث: مبادرة “الحزب” إلى “انتحار سياسي”، عبر نقل المواجهة إلى الحدود الجنوبية، كوسيلة للهروب من أزمته الداخلية مع الحكومة، ما قد يترتّب عليه دمار شامل وربما نهائي هذه المرة.
السيناريو الرابع: اللجوء إلى الشارع وافتعال فتنة داخلية شبيهة بـ7 أيار، ما قد يُدخل البلاد في حرب أهلية تهدف إلى إسقاط النظام أو تغييره بالكامل.
السيناريو الخامس (الأضعف احتمالًا): التوصّل إلى تسوية سياسية، تقتضي تسليم “الحزب” سلاحه الاستراتيجي للدولة، مقابل الاحتفاظ بالسلاح المتوسط والخفيف، وهو حلّ قد يفتح الباب أمام أزمات داخلية لاحقة.
جميع السيناريوهات مطروحة، لكن الحقيقة الثابتة أن “الحزب” ليس في أفضل حالاته، فهو يشهد تآكلًا في قوّته السياسية والعسكرية، في وقتٍ بدأت الدولة تستعيد هيبتها وقرارها الحر.
وأهم ما أنجزته الحكومة في هذا السياق، هو فصل نفسها رسميًا عن مشروع “الحزب”، لتُجَنّب مؤسسات الدولة ومقراتها ومصالحها وأجهزتها الأمنية أي استهداف إسرائيلي محتمل. فالحكومة اليوم لا توافق على وجود أي سلاح خارج إطار الجيش اللبناني، ما يضع “الحزب” في مواجهة مباشرة مع إسرائيل والمجتمع الدولي، من دون أي غطاء رسمي أو شعبي لبناني.

.jpg)