
مثّلت جلسة مجلس الوزراء في 5 آب 2025 محطة مفصلية غير مسبوقة في مسار الدولة اللبنانية تجاه ملف السلاح خارج الإطار الدستوري. فللمرة الأولى منذ اتفاق الطائف، خرجت المسألة من دائرة المناورة السياسية والمقاربة الخطابية. انتقلت إلى إطار قرار رسمي مُلزم، بصيغة تنفيذية واضحة ومحددة بسقف زمني مزدوج: خطة من الجيش قبل 31 آب، وتنفيذ الحصر قبل نهاية العام 2025.
هذا التحوّل ليس تفصيلاً إداريًا، بل إعلان سياسي ـ دستوري صريح بأن سلاح “الحزب” لم يعد موضع جدل أو استثناء. لقد أصبح ملفًا سياديًا خالصًا يخضع لقرار السلطات الدستورية وآلياتها الملزمة، وبذلك أُسقط الغطاء عن أي قوة مسلحة موازية للدولة وأُعيد تعريف الشرعية على أسسها الصرفة.
أولاً: سقوط “التابو” السياسي
على مدى عقود، ظل ملف سلاح “الحزب” محاطًا بمحرمات سياسية، يُرحَّل النقاش حوله إلى “حوار وطني” مؤجل أو يُغلَّف بعنوان “استراتيجية دفاعية” بلا أي التزام زمني محدد أو آلية قياس. جلسة 5 آب كسرت هذا النمط؛ إذ أدرجت المسألة في جدول أعمال مجلس الوزراء كملف تنفيذي محدد المعالم، مربوط بإطار زمني مُعلن.
هذا الانتقال من الطرح النظري إلى القرار التنفيذي المُلزم حوّل السلاح الموازِ من بند تفاوضي مفتوح إلى مخالفة صريحة للمرجعيات الدستورية والسيادية، ما يعني عمليًا إقفال باب الاجتهاد في شرعنته، وفتح باب المحاسبة السياسية والمؤسساتية على بقائه.
ثانيًا: موقف الحكومة – من المبدأ إلى الإطار التنفيذي
جاءت قراءة رئيس الحكومة نواف سلام لمقررات الجلسة واضحة وحاسمة:
“تكليف الجيش اللبناني بوضع خطة تطبيقية لحصر السلاح قبل نهاية العام الحالي بيد الجهات المحددة في إعلان الترتيبات الخاصة بوقف الأعمال العدائية وحدها، وعرضها على مجلس الوزراء قبل 31 من الشهر الجاري لإقرارها.”
هذا الإعلان تجاوز حدود الإجراء الإداري، ليكرّس ثلاث دلالات سياسية ـ استراتيجية متداخلة:
ـ إطار زمني قصير وحاسم (31 آب): إغلاق باب المماطلة وإلزام المؤسسة العسكرية بتسليم خطة مكتملة خلال أسابيع، ما يضع الملف في مسار ضغط زمني غير مسبوق.
ـ سقف تنفيذي نهائي (نهاية 2025): تثبيت التزام واضح أمام الداخل والخارج بأن الشرعية الدستورية ستُستعاد كاملة خلال فترة معلنة، بما يحوّل القرار إلى تعهّد سيادي.
ـ حصر المرجعية بالسلاح الشرعي: قطع الطريق على أي صيغة ازدواجية عسكرية، وتجريد السلاح الموازي من أي غطاء سياسي أو أمني.
بهذا، انتقل موقف الحكومة من مبدأ سيادي عام إلى مسار محدد المعالم وقابل للقياس، ما يفتح الباب لأول اختبار جدّي لإرادة الدولة في استعادة احتكارها للسلاح على كامل أراضيها.
ثالثًا: موقف القوى السيادية – اختراق المؤسسات
نجحت القوى السيادية في تحقيق اختراق نوعي، تمثل في إدخال ملف السلاح غير القانوني إلى صلب العمل الحكومي، وانتزاع اعتراف مؤسساتي به كقضية خاضعة لقرار مجلس الوزراء، لا لمساومات جانبية أو حوارات مفتوحة. وقد برز خلال الجلسة طرفان شكّلا محور المواجهة الإعلامية والسياسية: الحزب، الذي سعى إلى تجنّب طرح ملف السلاح أصلاً أو تأجيل النقاش فيه إلى أجل غير مسمى، و”القوات اللبنانية” التي أصرت على إدراج البند وربطه بسقف زمني واضح، ولوّحت بخطوات تصعيدية في حال عدم إقرار هذا الشرط.
وفي المحصلة، نجحت “القوات اللبنانية” في تمرير مطلبها الأساسي بربط الملف بموعد محدد للتنفيذ، وهو مكسب مؤسساتي يعزز موقع الدولة في فرض أولوياتها السيادية. هذا المسار ثبّت الجيش اللبناني كمرجعية وحيدة لتنفيذ خطة الحصر، وحوّل القضية من جدل سياسي حول “حق النقاش” إلى مسار إلزامي قابل للمحاسبة داخليًا وخارجيًا، واضعًا الدولة أمام استحقاق التنفيذ، فيما لم يعد المجال مفتوحاً لإبقاء الملف في دائرة الانتظار أو التأجيل.
رابعًا: موقف الحزب – خسارة تكتيكية في المؤسسات
استخدم الحزب أدواته التقليدية لتعطيل البند أو تحييده، من الانسحاب الوزاري إلى التحريض في الشارع واعتماد خطاب التخوين. لكن مخرجات الجلسة فرضت عليه واقعًا جديدًا: للمرة الأولى، يقرّ مجلس الوزراء صراحة بأن سلاحه خارج النطاق الشرعي، ويحدّد إطارًا زمنيًا ملزمًا، ويكلّف الجيش بخطة تنفيذية قابلة للقياس.
هذا لا يعني تغيّر موقف “الحزب” الجوهري أو نيته التخلي عن السلاح. لكنه يُسجّل خسارة تكتيكية بارزة، إذ لم يعد قادراً على إبقاء الملف خارج الإطار المؤسساتي والزمني. وهذا يفرض عليه مواجهة سياسية علنية مع الدولة لا يستطيع التحكم بكامل إيقاعها.
وإلى جانب اعتراضه المباشر على إدراج بند السلاح، حاول “الحزب” الدفع نحو تغيير أولويات النقاش الحكومي وترتيبها وفق شروطه، بحيث يتقدم البحث في ملفات أخرى على ملف السلاح، أو يتم حصر النقاش به في إطار عام من دون سقف زمني. إلا أن مسار الجلسة أكد عكس ذلك، إذ تمسكت الدولة، بدعم القوى السيادية، بأن جوهر المشكلة يكمن في السلاح الخارج عن المؤسسات، وأن حصره بيد الجيش والقوى الرسمية هو المدخل الإلزامي لأي إصلاح حقيقي أو إعادة بناء للمؤسسات، وهو ما كانت تطالب به القوى السيادية منذ سنوات.
وفي سياق ردّ الفعل، أطلق الأمين العام لـ”الحزب”، الشيخ نعيم قاسم، سلسلة مواقف صلبة في ظاهرها، رفض فيها أي جدول زمني أو خطة نزع سلاح تُطرح تحت ما وصفه بـ”ضغط العدوان الإسرائيلي”، وعاد ليطرح مقاربة بديلة، لم تعد ملائمة للواقع السياسي الراهن، تقوم على نقاش استراتيجي شامل للأمن الوطني. ورغم محاولاته الإيحاء بصلابة الموقف، إلا أن توقيت هذه التصريحات، يعكس إدراك “الحزب” بأن القرار الحكومي قد مضى قُدمًا من دون الأخذ بشروطه، ما أضعف قدرته على التأثير في المسار.
هذا التباين بين أولويات الدولة وخطاب “الحزب” يعزّز الانطباع بأن ميزان المبادرة بات للمؤسسات. فمحاولات التصعيد الكلامي لم تعد سوى غطاء سياسي للتراجع الفعلي أمام المسار الذي أقرّه مجلس الوزراء.
خامسًا: الدلالة الدستورية والقانونية – سقوط الاستثناء
الدستور اللبناني، اتفاق الطائف، القوانين الجزائية، والقرار 1701، واتفاقية وقف إطلاق النار جميعها تنص بوضوح على أن السلاح الحربي محصور بالمؤسسات الشرعية. استمرار “الحزب” في حيازة السلاح كان يستند إلى استثناء سياسي ظرفي لا إلى نص قانوني.
قرار 5 آب 2025 أنهى هذا الاستثناء رسميًا، فوضع السلاح المفتقد للغطاء القانوني في خانة المخالفة الصريحة للشرعية، وفرض التعامل معه ضمن مسار تنفيذي ملزم. المادة 49 من الدستور تحدد رئيس الجمهورية قائدًا أعلى للقوات المسلحة، والمادة 65 تمنح مجلس الوزراء وضع السياسة العامة في جميع المجالات بما فيها الدفاع، فيما ينص الطائف على حل الميليشيات ودمجها، ويؤكد القرار 1701 أن السلاح يجب أن يكون حصرًا بيد الدولة، وأن حيازته من أي طرف غير رسمي تُعدّ غير شرعية.
بهذا، تتحوّل النصوص من مرجعيات مهملة إلى أساس قانوني مباشر للقرار الحكومي.
سادسًا: المعركة المقبلة – تثبيت القرار
الإطار الزمني القصير (31 آب) هو الاختبار الأول لجدية الدولة ومؤسساتها العسكرية، إذ ستكشف قدرة الجيش والحكومة على صياغة خطة واضحة المعالم، بما في ذلك تعزيز الانتشار جنوب الليطاني، وتشديد الرقابة على المعابر، وضبط المظاهر المسلحة.
الانتقال إلى نهاية 2025 سيحدد ما إذا كان هذا القرار سيبقى ورقة سياسية أم يتحول إلى واقع سيادي ملموس. أي انزلاق إلى مسار المراوغة أو ربط التنفيذ بظروف خارجية سيقوّض المكسب المؤسساتي ويعيد الملف إلى دائرة التعطيل.
الرهان على حماية التحول التاريخي
في الخامس من آب 2025، سقط للمرة الأولى الغطاء الرسمي عن السلاح الموازي للدولة بقرار حكومي موثّق ومقيّد بسقف زمني واضح، لينتقل الصراع من جدل المبدأ إلى معركة حمايته من التمييع.
نجاح الحكومة في التمسك بالسقف الزمني والسياسي سيعني أن لبنان دخل مرحلة إعادة تكوين سيادته على أسس دستورية صلبة، وأن أي قوة مسلحة خارج الدولة باتت بلا شرعية أمام الداخل والخارج. أما الفشل، فسيُقرأ كفشل أمام فرصة تاريخية لإعادة رسم معادلة القوة الوطنية.