
على الرغم من مرور ما يقارب خمسة عقود على عرض فيلم “بيت بلا حنان” عام 1976، إلا أن كواليسه لا تزال تحمل الكثير من التفاصيل المثيرة والمفارقات التي لا تُنسى، والتي رواها السيناريست الراحل مصطفى محرم في مذكراته بعنوان “حياتي في السينما”. كان هذا الفيلم أول سيناريو يكتبه محرم في مشواره الفني، وقد تنقل بين أيدي عدد من المخرجين قبل أن يقع عليه اختيار المخرج علي عبد الخالق، الذي أُعجب بالنص وقرر العمل عليه فورًا. وهكذا بدأ الثنائي محرم وعبد الخالق رحلة تحويل السيناريو إلى فيلم سينمائي.
في البداية، وقع اختيار صناع الفيلم على النجم محمود ياسين لأداء دور البطولة. أما البطولة النسائية، فكانت من نصيب ميرفت أمين، التي رفضت الدور لغياب البطولة الفردية. بعدها، وقع الاختيار على الفنانة حياة قنديل، التي تنبأ لها الكثيرون آنذاك بمستقبل فني مشرق، لا يقل عن نجومية سعاد حسني.
كما رشّح عبد الخالق النجمة نادية لطفي لدور آخر في الفيلم. وخلال لقائه بها، أعربت عن إعجابها بما يكتبه مصطفى محرم، رغم أنها كانت قد رفضت سابقًا أحد أدواره في فيلم “ليل وقضبان”. وأوضحت لاحقًا أن سبب الرفض كان ضعف الدور، موجهة انتقادًا غير مباشر للفنانة سميرة أحمد التي أدّت الدور، واصفة إياها بـ”سميرة مصباح” لأنها لم تفعل شيئًا سوى الإمساك بالمصباح في أحد المشاهد مع محمود ياسين.
من جهة أخرى، وقع اختيار فريق العمل على الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا لتجسيد دور الأم، وهو من الأدوار المحورية في الفيلم. غير أن مفاجأة غير متوقعة وقعت عند بدء التصوير، إذ اعتذر محمود ياسين بسبب تضارب المواعيد، ما دفع المخرج إلى استبداله بالفنان سمير صبري. وعندما علمت كاريوكا بهذا التغيير، رفضت الاستمرار، واعتذرت بشكل نهائي، معتبرة أن استبدال البطل في اللحظة الأخيرة نذير شؤم.
ولإنقاذ الموقف، توجه الفريق بسرعة إلى الفنانة هدى سلطان، التي لبت النداء في اللحظة الأخيرة، وجسدت الدور بعد أن قدم لها عبد الخالق لمحة سريعة عن الشخصية.
من أكثر المواقف المثيرة التي شهدها التصوير، كانت تلك التي جمعت بين النجم الراحل جميل راتب والفنانة نادية لطفي. إذ كان راتب، العائد حديثًا من فرنسا، يفضل الانعزال قبل كل مشهد، خاصة أن إتقانه للهجة العامية المصرية لم يكن كاملاً. وفي أحد المشاهد كان عليه أن يضرب نادية لطفي. فدخل كعادته في عزلة استعدادًا للدور، لتقوم نادية بالتلصص عليه، ثم تعود إلى زملائها وهي ترتجف خوفًا، قائلة: “جميل بيشحن نفسه علشان يضربني بجد!”
بالفعل، أثناء تصوير المشهد، وجّه لها ضربات حقيقية، حتى وصف مصطفى محرم ما جرى بـ”علقة ساخنة”، مؤكّدًا أن الواقعية في الأداء تجاوزت التمثيل.
هكذا، شكّلت كواليس فيلم بيت بلا حنان فصلاً درامياً لا يقل إثارة عن أحداثه على الشاشة، وتحوّلت ذكرياته إلى جزء من التاريخ السينمائي المصري، المليء بالمواقف الطريفة والمفاجآت والمواجهات غير المتوقعة.