
ما إن تم اعلان تغيير اسم جادة حافظ الأسد إلى جادة زياد الرحباني، والذي كان من المفترض أن يمرّ كخبر عادي، إلا أنه أثار حفيظة “الحزب” ومن يدور في فلكه، وكأنه كشف عن “سرّ خطير” كان مخبأ في تلك الجادة! فجأة، تحول الأمر من مجرد تغيير لافتة إلى قضية وطنية، وكأن مصير “الحزب” و”محور المقاومة” كله كان معلّقاً بقطعة تَنَك تحمل اسم “حافظ الأسد”. يا إلهي، هل بات “العمق الاستراتيجي” الذي يتباهون به هشّاً إلى هذا الحد؟ هل كانت هيبة المحور و”الممانعة” كلها متمركزة في بضع كيلومترات من الإسفلت في بيروت؟ سؤال يطرح نفسه بقوة، ويُظهر أن “الحزب” يعيش أزمة وجودية حقيقية، لم يكن يتخيل أن تأتي من حيث لا يتوقع.
تصريحات قادة “الحزب” التي كانت تأتي من وقت لآخر حول “العمق الاستراتيجي” و”الوفاء” و”الدين” و”التضحيات” أصبحت فجأة مثيرة للضحك، وكأن هذه “التضحيات” كانت فقط من أجل أن تبقى جادة حافظ الأسد في مكانها. يبدو أن “الحزب” وُضع أمام حقيقة مرة، وهي أن لبنان قد بدأ فعلاً بنفض غبار الوصاية السورية عن نفسه، ليس بالصواريخ والحروب، بل بـ”ضحكة” زياد الرحباني الساخرة، وبأغنية “عايشة وحدا بلاك”.
هذا التغيير الرمزي، هو بمثابة نفض غبار قمامة ما تبقى من الوصاية السورية في لبنان، و”صفعة” قوية على وجه من يعتقدون أن بيروت مجرد “حارة” تابعة لـ”محور الممانعة”. فلبنان، الذي كان يئن تحت وطأة هذا المحور، بدأ اليوم يرفع صوته ويقول: “أنا حر، أنا مستقل، وأنا لست تابعاً لأحد”.
الموقف الذي اتخذه “الحزب” من هذا الموضوع يظهر ضعفاً كبيراً، ويُبرز أن الأزمات التي يواجهها “الحزب” اليوم ليست فقط مالية، بل هي أزمة “وجود”. وكأن هذا التغيير البسيط قد هزّ أركان “المحور” وأصابهم في الصميم. فهل كان “الحزب” يخشى من أن يكون مصيره مثل مصير جادة حافظ الأسد؟ هل كان “الحزب” يخشى أن يتجرأ لبنان يوماً ما على تغيير كل ما يرمز إلى “الوصاية” و”الهيمنة”؟
تخيلوا المشهد السوريالي في غرفة عمليات “المحور”، اجتماع طارئ، وجوهٌ عابسة، وأجواءٌ مشحونة، والسبب ليس هجومًا إسرائيليًا أو عقوبات أميركية، إنما جادة حافظ الأسد التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى جادة زياد الرحباني. وكأن بيروت قررت أن تودع الوصاية السورية، لا بالدبابات والخطابات، بل بـ”بيانو” زياد الرحباني وأغنية “عايشة وحدا بلاك”.
يبدو أن “مصداقية المحور” كله كانت معلقة على قطعة حديد صدئة تحمل اسم حافظ الاسد الذي لم يستطع الحفاظ على اسمه على تلك الجادة التي كانت بمثابة إحساس دائم بـ”العمق الاستراتيجي”. فهل بات هذا المحور هشًا لدرجة أن تغيير لافتة في بيروت قادر على أن يزعزع أركانه؟ هل كانت هذه اللافتة هي الركيزة الأساسية التي يرتكز عليها “الوجود” في لبنان؟ سؤال يفرض نفسه بقوة، ويُبين أن “أزمة الوجود” لم تعد محصورة في الأسلحة والصواريخ، بل وصلت إلى اللافتات والشوارع.
انتهى زمن الوصاية السورية بأثقاله وذكرياته، ولبنان اليوم ينفض غبار “أيام الشقيقة الشقية” ويستبدل خطابات المقاومة التي لا تنتهي بضحكة ساخرة. لقد انتهت حفلة الماضي، وحان وقت تغيير الأسطوانة، هذا التغيير هو بمثابة إعلان واضح من لبنان أن استقلاله ليس مجرد كلام، بل هو نهج حياة. فإذا كان البعض يصر على أن لبنان “حارة” تابعة لهذا المحور أو ذاك، فإن بيروت تذكر الجميع بأنها عاصمة لدولة ذات سيادة، وأن اسمها الحقيقي يكتبه أبناؤها بدموعهم وفرحهم، لا بحبر دمشق أو طهران.
