مَن منّا لا يعرف مسرحيّة المحطّة للرحابنة؟ هذه المسرحيّة التي تحمل بطيّاتها معانٍ فلسفيّة وماورائيّة أبعد بكثير من عنوانها؛ حيث أراد الرحابنة شرح فلسفة الانتظار للنّاس بمفهومهم البسيط. لكن ميزة مسرحيّة المحطة اعتمدت على وهم الوجود وإيهام الموجود بواجد غير موجود.
فالانتظار ليس مجرد حالة من التوقّف الزمني، بل هو تجربة فلسفية عميقة تتعلق بالوعي، والمعنى، والعمل، والوجود. هذه التجربة الانتظاريّة التي لا يزال اللبنانيّون في وسطها. منهم مَن تعب وملّ من الانتظار فحمل وطنه في قلبه ورحل. ومنهم مَن سئم من الانتظار كاختبار للحرّيّة والانتاجيّة فاختار الرّحاب الأوسع لينتج اكثر. ومنهم من آمن بهذا الانتظار على أنّه حالة تحتوي البعد الأخلاقي للانسان وترفعه روحيًّا حتّى لحظة القيامة المرتقبة.
تدعو المدرسة الوجودية، وعلى رأسها جان بول سارتر وسورين كيركغارد إلى معالجة سؤال “لماذا ننتظر؟” من زاوية المعنى والحرية. فمن زاوية عيش معنى الحرّيّة الشخصيّة الكيانيّة فوجودنا يسبق الجوهر بحدّ ذاته. لذلك يجب ألّا ننتظر ليأتي إلينا المعنى الذي نبحث عنه في حياتنا حتّى لا نقع في مستنقع الانكار والاكراه للذّات الشخصيّة. بل يجب أن نعمل لنولّد هذا المعنى الشخصي لنا عبر الأفعال.
وهذا لا يتحقّق إلّا بالقفزة الايمانيّة التي أشار إليها كيركيغارد في فلسفته الوجوديّة. من هنا على الانسان اوّلًا والدّولة التي تحتوي وجوده ثانيًا أن يحقّقا هذه القفزة ولو لم يكن الوضوح قد تجلّى بشكال كلّي، لأنّ الانتظار في هذه الحالة يتحوّل إلى عائق أمام الإبداع ويصبح معولًا لهدم الذات الدّاخليّة للشخص البشري. وهكذا هي الأوطان، إن دخلت في نفق الانتظار ولم تتجرّأ على تلك القفزة الايمانيّة “الكيركيغارديّة” تندثر في الوجود. وذلك لأنّ الانتظار المفرط يضع الدّولة وإنسانها معًا في دائرة لانهائيّة من اللاحركة. وهذا ما قد يشكّل بدوره حالة من الاستسلام الساكن. فتموت المبادرة ويسقط العمل. ويتحوّل عندها هذا النوع من الانتظار إلى حالة من العقاب الوجودي، حيث يضحي الانسان المنتظِر بلا معنى وبلا قدرة على الانتاج.
في المقابل، نجد الفلاسفة الرواقيّين مثل إبكتيتوس يشدّدون على أنّ “الآن” هو اللحظة الوحيدة التي نتحكم بها فعلاً، وأنّ التركيز على المستقبل غالبًا ما يُبعدنا عن الفعل الذي يقوّينا ويمنحنا معنى اليوم. وهذا ما لا يمكن أن نقبل به لأنّنا قوم نعيش “الآننا” لنبني مستقبلنا استنادًا إلى تجاربنا في التاريخ.
أمّا سيمون فايل، الفيلسوفة الفرنسية العريقة، فترى في “الانتباه” – وهو شكل من أشكال الانتظار الواعي – فضيلة أخلاقية “: الحب والعدالة الحقيقية ترتبطان بقدرتنا على أن ننتظر وننتبه بوعي كامل للآخر، من دون حكم مسبق أو انشغال ذاتي”. وهذا الانتباه المدرِك الذي تحدّثت عنه “فايل” يضع القادة في الوطان بموقع الاستعداد لتلقّي الآخر بصدق وإنسانيّة. وهذا ما افتقر إليه بعض القادة الذين مرّوا بتاريخ لبنان. حيث لم يستطع بعضهم انتظار اللحظة بل ظنّ نفسه بأنّه أقوى من اللحظة التي يعيشها فيالمحايثة المكانيّة والزمانيّة. فسقط نتيجة الحسابات الاستراتيجيّة الخاصّة الخاطئة.
من جهة أخرى، بالنسبة إلى شوبنهاور، فإن الانتظار في مرحلة الشباب يشبه الطفل الذي يجلس في مسرح قبل رفع الستارعن مسرحيّة المحطة ، متشوّقًا لبداية العرض، لكن لا يعرف ما ينتظره، ما يربط تجربة الانتظار بالإحساس بالغموض المصاحب لحياة الإنسان قبل أن يواجه واقعه بالكامل. هذا ما يجب ألّا تكونه الدولة المخطِّطَة والحكومة الفاعلة وسط الحياة السياسيّة. فشوبنهاوريّة الانتظار لا تتوافق مع فلسفة بناء الأوطان. قد تصحّ عند بعض الحالات الفرديّة، لكن جَمعيًّا لا تصحّ.
فأفلاطون وآخرون يُعبّرون عن أن “الوقت والصبر من أقوى المحاربين”، وأن الانتظار الذكي هو أساس الحكمة والنجاح. ولعلّ هذا ما ميّزنا كفريق سياسي عبر تاريخ تعاطينا العمل الوطني المقاوِم أوّلًا والبنّاء المؤسّساتي ثانيًا. صبر رئيس الحزب 4114 يومًا في معتقله متأمّلًا على حدّ ما اعتبر الفيلسوف ألكسندر دوما الذي قال: “كل الحكمة البشرية ملخّصة في كلمتين: انتظر وآمل”.
من هذا المنطلق الانتظار ليس خمولًا، بل هو فعل يُصقل الشخصية ويُنمّي القدرة على التركيز والتخطيط بوعي. ونتيجة لهذه الشخصيّة السياسيّة التي تمّ صقلها بالحديد والنّار، واختبرت كالذهب في النّار. فخرجت ذهبًا اليوم بقوّة سياسيّة استطاعت أن تكون الفاعل والواجد في آنٍ عوض أن تصبح المفعول بها والموجودة على هامش هذا الوجود.
فهذا الانتظار في مسرحيّة المحطّة لم يكن مجرد هُزل زمني، بل تجربة إنسانية متعددة الأبعاد. فمن الناحية الوجوديّة هو ممارسة عمليّة رفض للفعل وخسارة لفرصة الصياغة الذاتية، إذا لم يُرافقه وعي واختيار. وهذا ما حدث في الواقع السياسي الذي نعيشه اليوم بعد طول هذا الانتظار. وهذا ما رفضناه ونرفضه في كلّ آنٍ أن يتحوّل انتظارنا في المحطّة لوصول قطار الوطن إلى حالة انتظار مذموم بلا معنى يقودنا في نهاية المطاف إلى العزلة والتقوقع والجمود.
نعم، لقد نجحنا بمسرحيّة المحطّة خاصّتنا أن نحوّل حالة الانتظار إلى مساحة من الانتباه للآخر، تعبيرًا عن الحب والعدالة. لأنّنا امتلكنا الحسّ الأخلاقي والبعد الرّوحي والانتماء الوجودي للوطن. ولن نسمح لمَن لا يملك هذه الأبعاد بان يحوّل انتظارنا إلى حالة انتحار شخصي أو وطنيّ على حساب حياته هو فقط.
فالانتظار الوطني الذي عشناه طوال هذه العقود الخمسة ونيّفها منذ العام 1969، يعبّر عن لحظة فاصلة. صحيح أنّه كان مرًّا وسلبيًا أحيانًا وأثقل علينا، لكنّنا حوّلناه إلى فرصة غنيّة لبناء الذات السياسيّة، وصقل الصفات الوطنيّة، وتحقيق المعنى الأخلاقي للوجود من خلال عيشنا الحرية الشخصيّة الكيانيّة والوعي والاهتمام بالآخرين.
لكن السؤال الوجودي والأخلاقي في آنٍ معًا، الذي يتطلب مزيجًا من الحكمة، والوعي الذاتي، والتقدير الواقعي للزمن والمعطيات يكمن في فهمنا واقتناعنا بضرورة التوقّف عن هذا الانتظار الذي لم تتوقّف عنده ” ورده” بل ظلّت تبني أوهامًا حول مسرحيّة المحطّة التي لم يمرّ بها قطار منذ زمن بعيد، وتنتظر الغرباء الذين قد ياتون إليها. لا بل اكثر من ذلك نجحت السيدة فيرزو بشخصيّة “ورده” بإقناع شبلي الشرطي أي الفنان نصري شمس الدين ومرمر أي الفنانة هدى حدّاد بوجود هذه المحطّة حتى استطاعا سماع دوي صفّارة القطار الاتي فيها.
لأنّنا لن نسمح لدعاة التحرير الذاتي منذ العام 2000 وحتى يومنا هذا بأن يحوّلوا انتظارنا إلى حالة تعطيل للحرّيّة الشخصيّة الكيانيّة التي نعيشها ونعيش فيها ولأجلها يوميًّا. لن ننتظر في محطّتهم. إن همُ أرادوا السير في قطار بناء الدّولة فأهلا وسهلًا بهم. امّا إن لم يريدوا ذلك فقطار الدّولة قد انطلق من يومين. وذلك لنّ ينتظر هؤلاء قد يشلّ الفعل ويُرجئ القرار، فهو تنازل عن الحرّيّة، لذلك رفض انتظار هؤلاء هو واجب أخلاقيٌّ. عملًا بقول الفيلسوف جان بول سارتر ” إن الإنسان محكوم بأن يكون حرًا” ، أي أنّ جوهره يتكوّن من أفعاله، لا من الظروف التي ينتظر تغيّرها. فانتظار تغيير شخص ما أو نظام ما أو ظرف ما من دون اتّخاذ مبادرة واقعية يساوي فقدان للسيطرة على الذات. لذلك حكومتنا اتّخذت هذا القرار المصيري.
فالفلسفة الرواقية، مثل ما علّم ماركوس أوريليوس، تدعونا إلى التركيز على ما يمكننا التحكم فيه. فإن كانت نتيجة الانتظار معلومة أو متكررة سلبًا يصبح استمرار الانتظار بمثابة الرفض لرؤية الواقع. وهنا بالتحديد يتعارض مع الكرامة الشخصيّة الانسانيّة والكرامة الوطنيّة. فحتّى لا نفقد الاحساس بذاتنا الشخصيّة وبذاتنا الوطنيّة يتوقّف الانتظار. وعندها فقط نغادر هذه المحطّة لأنّ الكرامة لا تحتمل التعليق على مشيئة الآخرين إلى ما لا نهاية. فالتوقف عن الانتظار هنا هو ممارسة للعقلانية لا لليأس. إن طال الانتظار إلى حدّ الجمود النفسي أو العجز العملي، فعلى الإنسان أن يعيد تقييم وضعه فورًا. لأنّ الزمن مورد لا يُعوّض؛ الانتظار الطويل قد يكون تضييعًا لعمر ثمين. اكتشفت أن انتظارك ليس بدافع الأمل بل بدافع الخوف من الفعل أو المواجهة أو التغيير، فهذا نداء داخلي للتوقّف فورًا.
فهناك انتظارٌ يشبه الشجرة؛ يمدّ جذوره في أرض الصبر، فيثمر معرفةً، ويورق حكمةً. وهناك انتظار آخر يشبه القيود؛ يلتفّ حول المعصم، ويخنق الروح حتى تنسى أنها وُجدت لتسير لا لتبقى. ولأنّنا في صلب مسيرة الوجود لن نجعل من انتظارهم قيدًا وطنيًّا لحرّيتنا وقناعتنا في العيش معًا، بل سنجعل منه جسرًا للعبور نحو القرار الوطني الذي لا يقبل الشكّ. فالطّريق لا يمهّد إليه بالجلوس، والنّجوم لا تقترب بمجرّد النحديق إليها. هكذا ندرك تمامًا متى يجب أن ننتظر، ومتى يجب أن ننهض ونمضي… ولا شيء أكثر حكمة من معرفة الفارق بينهما لنبقى ونستمرّ في استقرارنا على الاستمرار في البقاء وسط محطّة الوجود لا وسط مسرحيّة المحطّة، وحيث لا يجرؤ الآخرون كما دائمًا… ونبقى.
