
في عصر المنصات الرقمية، قد يبدو أننا نعيش في زمن ذهبي من الترفيه المجاني. فيديوهات لا تُعدّ، منشورات فيضية، وتطبيقات تسابق الزمن لتقديم كل ما قد يجذب الانتباه ويثير الفضول. لكن خلف هذه الصورة المريحة، تعمل آلة اقتصادية جبارة تستثمر في أعز ما نملكه: الوقت والانتباه هذا هو “اقتصاد الانتباه” أو ما يُعرف اليوم بشكل أكثر تحديداً بـ”اقتصاد المتابعة”، حيث باتت الشركات لا تبيع منتجات فحسب، بل تشتري وعينا واهتمامنا.
في هذا الاقتصاد، المستخدم لم يعد هو الزبون، بل أصبح “المنتَج”. وكل لحظة نمضيها على تطبيق مثل “إنستغرام” أو “يوتيوب” تُحسب بالدولار. فكل دقيقة إضافية نقضيها على هذه المنصات تزيد من قيمة الإعلانات التي تُعرض لنا، وتمنح الشركات القدرة على جمع وتحليل سلوكنا وبيع هذه البيانات لمعلنين يسعون للتأثير على قراراتنا الاستهلاكية.
يعلّق الدكتور مهند حبيب السماوي، في حديثه لـ”النهار”، قائلاً إن “التركيز تحوّل من الاستثمار في وسائل الإعلام التقليدية إلى الدفع لمؤثرين يمتلكون قاعدة جماهيرية كبيرة، وهو ما حوّل المتابعة بحد ذاتها إلى سلعة تُدر أرباحاً مباشرة، ليس فقط لصانع المحتوى بل للمنصة الرقمية التي تستضيفه أيضاً”.
الأرقام وحدها كفيلة بتوضيح ضخامة هذا الاقتصاد: في عام 2024، حصدت شركة “ميتا” أكثر من 160 مليار دولار من الإعلانات، بينما جنت “يوتيوب” نحو 36 مليار دولار، و”ألفابت” المالكة لغوغل وصلت أرباحها الإعلانية إلى 264 مليار دولار.
لكن هذا النموذج الاقتصادي لا يخلو من تبعات خطيرة. فبحسب الدكتور السماوي، بدأت علامات الإدمان الرقمي تتفاقم، إذ يُستنزف المستخدم في دوامة من المحتوى المُعدّ بدقة لجذب انتباهه، بغض النظر عن قيمته المعرفية أو الأخلاقية. وأضاف: “منصات التواصل الاجتماعي وخوارزمياتها باتت تروّج للمحتوى الصادم أو المثير للجدل لأنه يحقق نسب مشاهدة عالية، دون مراعاة للتأثيرات النفسية والسلوكية التي قد تنتج عن ذلك”.
مع تزايد الإعلانات المفرطة وفقدان الثقة بالمحتوى المنشور، تتراجع جودة التجربة الرقمية، ويتحوّل المستخدم شيئاً فشيئاً إلى “فريسة رقمية”، تستغلها الشركات وصانعو المحتوى على حد سواء.
على الرغم من أن هذا الاقتصاد أتاح فرصاً غير مسبوقة لصغار المبدعين والعلامات التجارية المستقلة، فإن النموذج القائم على المتابعة لتحقيق الأرباح يهدد البيئة الرقمية ويُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.
في النهاية، يبدو أن “اقتصاد المتابعة” ليس عابراً، بل واقع فرض نفسه بقوة. أكثر من 3 مليارات شخص يستخدمون تطبيقات ميتا يومياً، ما يجعل من الصعب تجاهل أن كل نقرة، وكل مشاهدة، وكل إعجاب، لم تعد مجرد تفاعل عابر، بل جزء من منظومة اقتصادية مترامية الأطراف.
يبقى السؤال الجوهري: كيف نحافظ على إنسانيتنا في زمن تُقاس فيه قيمتنا بعدد الثواني التي نُمضيها أمام الشاشة؟