.jpg)
إن القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية باستعادة الدولة من الدويلة شكّل الحدّ الفاصل بين الماضي والحاضر الذي نحياه. والرؤية نحو بناء المستقبل صارت أوضح. ولم يعد باستطاعة أي فريق لبناني التلاعب بمصائر اللبنانيين، خدمة لاجندات إيديولوجيّة غير لبنانيّة، لا تمتّ إلى الكيانيّة اللبنانية بأيّ صلة. لكن على ما يبدو أن الشارع المؤيّد لمنظمة “الحزب” ليس مقتنعّا بهذا القرار، إلا لأنّه من الأساس لا يعترف بالدولة اللبنانية. فهو الذي أعلنها للملء أنّ انتماءه للوطن الأوسع من الدولة، أي لولاية الفقيه.
إشكاليّة هذا الفريق تكمن في الانتماء. يحاضرنا بالوطنيّة – اللبنانيّة، ويتبجّح بالتزامه بالقرار الإيراني. وعندما تعمل الدّولة وفقًا لدستورها، تصبح دولة عميلة لأميركا والغرب بكلّ ما فيها. وحده هو ليس العميل، فيما عمالته لإيران ومشاريعها التوسّعيّة تنضح ما يكفي من صميمها. نرفض هذا الواقع لكنّه يصرّ عليه، ويضع نفسه مع القديسين، ويحرّم ويحلّل ما يشاء.
هذا الزّمن انتهى. ولا يبدو من مراقبة سير الأحداث أنّ التنفيذ سيكون ناعمًا وطويل المدى. إلا إذا أبدى تجاوبًا مع مُرادِ الدّولة وأكثريّة اللبنانيّين. وأمام هذه الوقائع يتحرّك شارع الثنائي، على وقع بيان تنصّل من قبل حركة أمل من أيّ مناصر لها يصطدم مع القوى الأمنيّة الشرعيّة. لعلّ هذا ما قد يشي بفكّ تلازم المسار والمصير بين الثنائي، في محاولة من دولة الرّئيس، بديبلوماسيّته “الأرنبيّة”، لالتقاط أنفاسه البرلمانيّة الأخيرة في ظلّ مزاج سياسيّ متغيِّر.
في المقابل، تلقّى العهد جرعة دعم سياديّة، محلّيّة وإقليميّة ودوليّة، ستعطيه قوّة دفع للانطلاق بوتيرة أفعل من قبل. حيث لا يمكن للحزب أن يرتكب حماقة استراتيجيّة ثانية على غرار 8 تشرين الأوّل، وإلّا تصبح هذه المسألة انتحارًا جماعيًّا. ولا أعتقد أمام الضغط الذي يتعرّض إليه في بيئته قد يقدم على هذه الخطوة، إلّأ إذا اعتبرتها مرجعيّته الإيرانيّة استعادة لدوره المقاوم ومحاولة لإعادة شرعنة وجوديّة سلاحه. وبالطّبع هذا الاحتمال سيجرّ الويلات على لبنان كلّه.
يبقى أنّ استكمال هذا المسار التنفيذي يجب أن يواكب بمسار سياسيّ يتمّ من خلاله استرجاع الأكثريّة السياديّة المطلقة البرلمانيّة في أيّار 2026. وهذا ما قد ينبئ بنيّة الفريق الممانِع في تطيير هذه الانتخابات بأقصى حدّ، ليبقى بأدناه عدم إقرار إلغاء المادّة 112 من قانون الانتخابات التي تجيز للمنتشرين التصويت لستّة نوّاب في الانتشار فقط.
لكنّ هذا المسار سيستكمَل بأيّ حالة كانها القانون الانتخابي. فالمدخل إلى التغيير الحقيقي يبدأ من المجلس النيابي. وهذه حقيقة ساطعة يدركها الثنائي ومن خلفه المحور المتهالك. وباعتقادي لن تستمرّ إلى الأبد. لأنّها بنيت على باطل مقاطعة الانتخابات في العام 1992، لذلك هي حتمًا ساقطة.
أمّا الخطوة التالية بعد هذا المسار التصحيحي، فيجب أن تكون البحث في كيفيّة تفعيل تطبيق الدّستور، واستنباط صيغة سياسيّة جديدة تقوم على قاعدة الفلسفة الكيانيّة للوطن، وتحترم الطبيعة التعدّديّة التشاركيّة فيه، انطلاقًا من الفكر اللامركزي المنصوص عليه في دستور الطائف. وقد تكون الاتّحاديّة -الحياديّة من أهمّ الطروحات القابلة للبحث، لأنّها باعتقادي تحاكي الواقع المجتمعي الهويّاتي اللبناني.
نعم يا سادة، لقد تحدّد لبنان المصير بالأمن والحرّيّة والسيادة. والصوت اليوم هو صوت الأكثريّة المطلقة التي تقف جنبًا إلى جنب العهد الجديد. لا تكفي عبارات الشكر، بل أسمى عبارات التقدير لهذه الجرأة الحكوميّة المرتكزة على دعم وزاريّ – رئاسيّ – نيابيّ سياديّ بامتياز. تجلّى بأبهى صوره في قرار الحكومة اللبنانيّة. زمنهم الذي أوهموا بعض ضعفاء النّفوس بأنّه جميل قد ولّى إلى غير رجعة. أمّا الزمن الآتي فهو حتمًا سيكون الأجمل.