.jpg)
البارحة، غردت حكومة لبنان خارج ما كانت الحكومات المتعاقبة ملزمة إصداره من قرارات وبيانات تمليها جهات معروفة، منها ما هو موبوء وطنيا، ومنها ما هو مفروض من وصي. لقد قاربت الحكومة، بالأمس، ما كان يسمى، زورا، قضية خلافية، أي بسط سلطة الدولة، بقواها الشرعية، فوق مساحة الوطن، والتفرد بامتلاك السلاح، وقرار الحرب والسلم، كل ذلك إنفاذا لمشروع قيام الدولة القادرة والقوية. وقد اتخذ الحاضرون، بغالبيتهم، الموقف المبدئي الاستراتيجي، عاصين على التدجين، والتخويف، والتهويل، والتهديد، وغير آبهين إلا لمصلحة لبنان، وتوق شعبه الى الخلاص.
في المقابل، خرج الملوثون ” بالأيرنة ” الى الشارع، في حركة بكاء على الأطلال، مطلقين هتاف ” صهيوني، صهيوني، سمير جعجع صهيوني “. لا بأس بذلك، إذا كان ” فشة خلق”، فجعجع صدره الوطني رحب، وأخلاقياته تترفع عن ردة الفعل، فلا ينزل الى هذا المستوى.
على أركان الحزب أن يعوا أن سلطتهم التي فرضوها بالاستقواء، وبامتلاك سلاح غير شرعي، باتت من الماضي، وأن السلاح الذي سيصبح خردة، إذ أثبت عدم جدارته حتى في الدفاع عنهم، فدفع الحزب الكثير من الضحايا، رحمة الله عليهم، ولم يرم العدو في البحر، ولم يساند غزة الجريح كما أوهموا الناس. من هنا، وبعد مراجعة موضوعية لمجريات الأحداث، وآخرها القرار الحكومي الجريء بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، وحده، على الحزب أن يتعاطى واقعيا، وعقلانيا، مع ما يطلب منه، وهو عودته الى لبنان، بعد أن فشل في استبدال حيثية قائمة، ولو عمل هو على خلخلتها، بحيثية مستوردة يريد أن يفرضها بالقوة، بدفشة من إيران.
إذا خيل ل”الحزب” أن الزمن سيعود الى الخلف، فهو واهم، فالساحة اللبنانية، بغالبية شرائحها، تريد أن ينتهي وباء الاستقواء، لأنها اختنقت من الاهتزازات الأمنية والسياسية التي خلفت نتائج كارثية وخيمة أودت بسلام الوطن وسلامته، وبطمأنينة الناس وآمالهم، الى هوة جهنم. وقد اعتبرت أكثرية الشعب أن سلاح الحزب كان وصمة عار وخطر، لا راية فخر وانتصار، لذلك، على الحزب أن يعتبر مما وصل، هو، إليه، بعد الحروب العبثية، وأودى بالبلاد الى الخراب، ويعلم أن سلاحه بات ضبابا كأشرعة بلا مراكب، أو سرابا يركض خلفه، كالهائم العطش في الصحراء الذي لا يجد نفسه إلا أمام رمل كاذب.
المطلوب من الحزب أن يعي بأن سلطته انفصلت عن حلمه المليء بالليل، ولم يعد حلمه يحتوي سوى الأشباح، والأطياف، والتخيلات الموحشة، وقد ضاع وعده بعد أن استغل مشغله قدراته حتى الاستنفاد، وجعله يخرج من المغامرة القاتلة صفر اليدين، ودافعا، وحده، الثمن القاسي. لذلك، إذا كان هتاف أتباعه ” سمير جعجع صهيوني “، بمزاج انفعالي مغتاظ، يخفف عنهم هول الهزيمة المدوية، والخسارة العارمة، والحظ العاثر، فليكن.
ولكن، على الحزب أن يعلن، جهارا، رحمة بالوطن وببيئته، قرارا جريئا بتخليه عن سلاحه وإن اعتبره بعض قيادييه أنه جزء أساسي من إيديولوجيته، وبعودته الى حضن الدولة، ملتزما القانون، ليمارس حقه الدستوري والسياسي، كما سواه، بالطرق المؤاتية والمشروعة. ولأنه جزء من النسيج الشيعي الذي هو، كما سواه أيضا، عرق من عروق الوطن، وليس عبئا عليه، من هنا، ينبغي أن تسيطر النزعة الوطنية اللبنانية على موقف الحزب، ما يساعد في تنعم بيئته، والشعب برمته، بالعدل، والحرية، والعيش الكريم. فهل يعتبر ؟؟؟