#dfp #adsense

ثلاثون سنة في الذاكرة كأنّها البارحة

حجم الخط

تعرّفت على “تانت” ماري، والدة الدكتور سمير جعجع، وعلى “عمّو” فريد، والد الدكتور سمير جعجع، بعد دخول “الحكيم” المعتقل في 21 نيسان من العام 1994. كنت أتردّد مع زوجتي الى منزلهما في منطقة ضبيّة ـ النقاش للاطمئنان عليهما.ىىناهيك طبعًا عن تردّدي الدائم الى دارة “يسوع الملك” حيث هناك السيّدة الفولاذيّة التي صَمَدَت كالرمح بوجه الظلم وبوجه الريح، والتي سحقت الطاغوت بسيف الحقّ وبقيت عالية الرأس ناصعة الجبين. عندما أسترجع تلك الحقبة السوداء، أستذكر هذا المزيج من فائض الصلابة وفائض الحزن وفائض الأمل عند “تانت” ماري و”عمّو” فريد، حيث كانت تلك الدمعة المختبئة خلف المُقلَتين بين المرارة والابتسامة، تُخبر كلّ شيء.

ذات مساء دخلت الى شقّة أهل “الحكيم”، فاستُقبِلتُ كالعادة بكلّ العفويّة المُحَبَّبَة.

ومع فنجان القهوة قال لي “عمّو” فريد إسمع ما حصل معي اليوم، فأخبرني:

“كنت أمشي من الحاجز الأول في وزارة الدفاع للوصول الى مبنى المخابرات لمقابلة “سمير”، وإذ بأحد الأشخاص يناديني، فريد فريد كيفك يا صاحبي، صار إلي عُمر ما شِفتَك!! التفتّ فَوَجدت أحد قدامى “رفاق السلاح” الذين خدمت وإيّاهم في الجيش اللبناني.

بادلته التحيّة بحرارة وعانقنا بعضنا البعض وتكلمنا لدقائق عن الماضي وعن الذكريات”.

أكمَل “عمّو” فريد قائلاً:

“وإذ بهذا “الرفيق” يسألني فجأة:

ماذا جئت تفعل يا فريد في الوزارة؟

أجبته: أتيت لأزور إبني.

قال “الرفيق”: إبنك؟ ومن هو ابنك وماذا يفعل هنا؟

أجبته: إبني سمير جعجع.

وللحال، وبِلمح البصر اختفى “الرفيق” مهرولاً من دون أن يودّع أو أن يتلفّظ بكلمة واحدة ومن دون أن يلتفت وراءه”.

أنهى روايته عمّو “فريد” وتنهّد وقال لي:

“أنا ما زعلت منّو انا أتفهّمه، ولكن يا لسخرية القدر، لا أستطيع حتى أن ألفظ إسم إبني”.

 

في ليلة أخرى، وجدت “تانت” ماري متجهّمة الوجه وشاردة التفكير. فسألتها “تانت” ماري ما بكِ؟

مع ابتسامة لطيفة، أجاب “عمّو” فريد عنها قائلاً: “الست ماري ضايعة اليوم”.

فقلت في نفسي ربّما حصل أمرٌ ما غير اعتيادي!

ولِمَن لا يعرف “السِت” ماري، فهي سيّدة قليلة الكلام أصلاً، صوتها خافت، وعندما تتكلّم يكون كلامُها رصينًا، موزونًا، جَدّيًا وهادفًا.

نَظَرتُ الى “تانت” ماري مستفهمًا بالإشارة عن الأمر:

مالت برأسها نحوي وأجابتني مُنفَعِلة:

” رَح يجنّني إبني.

الأسبوع الماضي طالبته أن يعطيني الأغراض التي يجب أن يردّها لي، وطالبته أن يقول لي ماذا أحضر له في المرّة المقبلة.

فأجابني، في الأسبوع المقبل، أي اليوم، سوف يُلَبّي طلبي.

ذهبنا اليوم الى السجن، ولمّا قابلته سألته عن الأغراض التي يجب أن يعطيني إيّاها فأجابني بهدوء:

“والله يا ماما ما فضِيت حَضِّرُن هالأسبوع”.

استطردت “تانت” ماري واستعانت بحركات يَديها لتُفهِمَني مَقصدَها:

“انا مش فرقانة معي الأغراض، بس هَل بِقدَر أعرف يا دكتور عازار شو بيعمل إبني بزنزانة مترين بمترين تحت الأرض تَ ما بيفضى؟

شو بيعمل كلّ النهار وكلّ الليل؟

لا راديو ولا تلفزيون ولا جريدة، لا ورقة ولا قلم ولا زوّار ولا اجتماعات!! قاعد مزروب بزنزانة وبقلّي مش فاضي؟

بِشَرَفَك جاوبني واشرحلي شو بيعمل إبني بهالزنزانة”؟

تلبيةً لدعوةٍ متكرّرة من “تانت” ماري “وعمّو” فريد لزيارتهم في الصيف في بشرّي، توجّهت يومًا صيفًا الى هذا البيت المتواضع الرابض على كتف وادي القدّيسين حيث تفهم بالملموس كيف يُجبَل الطفلُ هناك منذ ولادته، بمزيجٍ غريبٍ من البطولةِ والشهامةِ والقداسةِ والعنفوان والفروسيّة وروح التمرّد.

عندما شاهدتني “تانت” ماري غارقًا وسارحًا أتأمّل وادي النسّاك والجبال الشاهقة المحيطة به، وأُعاين “البيت” وجوانبه وحفافيه وما يحيط به، وأفكّر بِمَن خَرَجَ منه، قالت لي:

“هذا سمير هو هو منذ صِغَرِه. كان في صفّ البريفيه وربّما أصغر، كنّا كلّ ما صعدنا الى بشرّي، وفي هذا البيت وهذه الفسحة، كان يجمع التلاميذ الذين في صفّه وما دون، ويعطيهم دروسًا خصوصيّة ودروسًا صيفيّة وتوجيهات عامة.

لهون القصّة بسيطة، لأنّ “سمير” كان، كما شقيقه “جوزف”، متفوّقًا في مدرسته.

لكنّه كان “يُرَبّي” الشباب “ويُمشّيهم” نظام مرصوص مثل الكشّافة والعسكر، فيقول لأحدِهم إنتَ ليش مأخّر، ولآخر أنتَ قعود منيح، وانتَ ما تتّطلع وراك، وأنتَ منّك جَدِّي يا بتغيّر سلوكك يا بتفلّ.

الغريب إنّو كانوا كلّن يحبّوه ويحترموه وكانو يجيبو أصحابن وأخوتن مَعُن تينضمّو للحَلقة”.

طبعًا عندما تغادر “البيت” الذي نشأ فيه سمير جعجع، تنسى قلبَكَ هناك.

 

خبرية من المعتقل،

بعد مرور أقلّ من شهر على اعتقاله، طلب محامو الدفاع عن الدكتور جعجع من “المجلس العدلي” تعيين “لجنة طبّية” للكشف عليه. فتشكّلت هذه اللجنة برئاسة نقيب الأطبّاء في حينه البروفسّور فؤاد البستاني وضمّت إليه أربعة أطبّاء، كُنتُ أصغرهم سنًّا.

وصلنا الى مديريّة المخابرات، وقرّرت “التذاكي” والتصرّف وكأنني التقي بالدكتور جعجع لأول مرّة ولا أعرفه قبلاً، وذلك على أمَل أن أزوره كطبيب في مرّاتٍ أخرى إذا استطعت الى ذلك سبيلًا.

رافقونا الى غرفة صغيرة في المديريّة، وما هي إلّا لحظات حتى دَخَلَ الدكتور جعجع تُحيطُ به عناصر عسكريّة حضروا الجلسة معنا.

سلّم “الحكيم” على كلّ طبيب من الأطبّاء وعند وصوله إليّ، وكنت الأبعد في الغرفة، سلّمت عليه كما كنت قد قرّرت، سلام أقلّ من عادي.

بعد المعاينة الطبّية للدكتور جعجع والكلام عن صحّته، استطرد الأطبّاء وبدأت الأحاديث بين النقيب البستاني وبقيّة الاطبّاء مِن جهة، و”الحكيم” مِن جهة أخرى، وكنت انا صامت لا أنبس بكلمة.

تكلّم الدكتور جعجع عن ظروف اعتقاله التعسّفيّة وعن ما يتعرّض له مِن أساليب تعذيب، غير جسديّة، كَمِثل وضع أصوات طيلة الوقت ليلاً في سقف غرفته الاصطناعي أو في قسطل التبريد. وكانت الأصوات مُخيفة، كأنّ هناك حيّات وحيوانات، وذلك لكي يمنعوا عنه النوم ليلاً فيفقد تركيزه خلال جلسات المحاكمة، وكذلك كانوا يمنعونه أو يؤجّلوا دخوله الى الحمّام قبل جلسات محاكمته لكي تتشوش أفكاره عندما يريد أن يترافع، خاصّة أنّ لا ورقة لديه ولا قلم ليدوّن مرافعاته التي كان يلقيها على مدى أكثر من ساعتين باللغّة الفصحى من دون تلعثم أو تردّد.

وتكلّم عن النزهة القصيرة في ملعب المديريّة ومعصمه مربوط بمعصم “مرافقه العسكري”.

واستفاض “الحكيم” خاصة في الحديث عن ضَربِ “الشباب”، أي شباب القوّات، وتعذيبهم على مسافة قريبة منه ليسمع صراخَهم واستغاثاتهم، مؤكّدًا أنّ هذا الأمر أكثر ما كان يؤلِمُه فينقبض صدره وتتشنّج معدته، كيف لا وهو يعرف رفاق القضيّة واحدًا واحدًا، وهو اختار المعتقل لكي يسير معهم على درب جلجلة الوطن، فما غادر وما هَرَب، على الرغم من كلّ العروض والاغراءات، وما تركهم لحظة وافتداهم بشخصه ليُبعِدَ عنهم الأهوال.

وحين حان وقت المغادرة وقف الجميع وسلّم نقيب الأطبّاء على “الحكيم” مودّعًا وخرج وتلاه الجميع، وكنت أنا آخر المغادرين مع قراري بالسلام من دون الإيحاء بأني أعرف “الحكيم”.

وانا أمدّ أطراف يدي للسلام على الدكتور جعجع لكي لا ألفت نظر العسكر المتواجد، وإذ بقبضة يد “الحكيم” تلتقط يدي بِقوّة ويخاطبني بصوتٍ صارم:

“كيفك يا شربل شو باك، وقاف!

كيف الشباب؟ طمنّي عن الجميع، وقلّن ما يخافوا، مرحلة وبتقطع، المهم نُصمد والله معنا وما بيتركنا، والله بيتدخّل بكلّ التفاصيل، والظلم ما بِدوم وما بصحّ إلا الصحيح”.

كلماتٌ حُفِرَت فيَّ، لَم ولَن أنساها ما حَيَيت.

“عمّو” فريد من عليائِك، قُل “لرفيقِ سلاحِك” الذي اختفى بلمح البصر، أنّهم اليوم يتفاخرون ويتزاحمون من كِبار القوم، لبنانيّون وعرب وأوربيّون وأميركيّون وغيرهم، للسلام على “ابنك” وللجلوس في مكتبه أو الى طاولته.

“تانت” ماري، كنتِ تراقبين وتتساءَلين ماذا عساه أن يُصبِح هذا “الصبّي” وهو يُعَلِّم وينظّم “الأشبال” في بلدته، وكيف لم يكن يجد الوقت في زنزانته ليعطيكِ أغراضَه.

لقد فهمنا اليوم أنّهم اعتقلوا جسد سمير جعجع ومنعوا عنه الشمس والهواء، لكنّهم لم يستطيعوا اعتقال إيمانه وحريّة فكرِه وتفكيرِه ونضالِه وتخطيطه للمستقبل.

فهو كان على يقين أنّ الليل سَينجلي وأنّ القَيد سَينكسر وأنّ حزبه سيعود وسيؤيّده مئات الآلاف، وستكون له أكبر كتلة نيابيّة وسيتميّز وزراؤه وستجعل “ستريدا” من “جبّة بشرّي” لؤلؤة اللآلئ وترفعها الى العالميّة، فتكتظّ شوارعها بعشرات الآلاف القادمين من كلّ مكان، ويحضر في ربوعها بطاركة ورؤساء جمهوريّة ورؤساء حكومات ونواب ووزراء وسفراء الدول العظمى ليَتَنَشَقوا رائحة أرزها وبخورها وليسهروا مع “جبرانها”.

“تانت” ماري نامي قريرة العين، فقد صحّ الصحيح.

والى رفاق “الحكيم”، مَن استشهد مِنكم ومَن أصيب ومَن يحمل إعاقته على مَنكَبيه كَتاجِ فخرٍ، سمير جعجع في اعتقاله لم يسأل عن شخصه لم يبالِ بنفسه، كان قلبه عند كلّ واحد منكم، يعيش مخاوفكم ويتوجّع لتضحياتكم ويخشى على كلّ فرد منكم.

صوتُ أنينكم محفور في وجدانه، ومنه أَخَذَ ويأخذ الدَفعَ والقوة لكي يبقى المشعل مرفوعًا.

“حكيم”، أنتَ أنتَ، منذ مقاعد الدراسة الى القيادة الى الاعتقال والى معراب، خطّ مستقيم لا تلويه المِحَن.

مهمّتك لم تنتهِ بعد.

فالعيون شاخصة دومًا إليك وملؤها الثقة بِكَ، عيون معظم اللبنانيّين مِن كلّ المناطق والطوائف ترنو إليك، لتحقّق أحلامهم بدولة سيّدة حرّة مستقلّة مستقرّة مزدهرة مسالمة حياديّة، دولة يسودها القانون والشفافيّة خالية من الشوائب، دولة يعيش فيها كلّ لبناني بأمانٍ وفرحٍ ومساواة، دولة يحميها جيشٌ قادرٌ فاعل، دولة مغروسة مع أرز الربّ، جذورها غائرة في وادي القديسين وأغصانها تلامس السماء.

“المسيرة” ـ العدد 1767 ـ من وَحي 26 تموز 2005 تاريخ خروج “الحكيم” من المعتقل.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل