
لا شك بأن ما شهده وشاهده اللبنانيون من تطورات أخيرة على أرض الواقع، وما سمعوه من “الحزب” من خطابات ومقاربات ومفارقات بعيدة كليًا عن تلك الأرض واقعيًا، تاريخيًا، جغرافيًا ومنطقيًا علميًا، وسياسيًا، قد طرح مشكلة وإشكالية قراءة هذه الفئة للتطورات ومحاولة إسقاطها مع مفاهيمها ومعتقداتها وخرافاتها، وما تعتبرها ثوابتًا على الدولة اللبنانية بسلطتيها التنفيذية والتشريعية وبأغلبية مكونات المجتمع اللبناني بكافة طوائفه وأطيافه وأحزابه.
انطلاقًا من محاولة فرض قراءة ورؤية ورؤيا “الحزب”، يصبح من المفيد لفت النظر، وعلى عكس ما يعتقده العامة من الناس وينتهجه صانعو القرار والساسة في منطقة الشرق الأوسط خاصة وفي لبنان على الأخصّ، الى أن السياسةَ وآليات ممارستها علمٌ انساني اجتماعي قائمٌ بذاته شأنه شأن بقية العلوم في اعتمادها الدراسات المنهجية مستندة الى علم المنطق وآليات التحليل فيه ومنها الاستنتاج والاستقراء.
في التحليل العلمي المنطقي لوضعية “الحزب” وباعتمادنا لآلية الاستنتاج والذي هو عملية استخلاص نتيجة محددة من مقدمات عامة أو معروفة. يتم استخدام القواعد العامة أو النظريات لاستخلاص استنتاجات محددة، ويبدأ من العام إلى الخاص..
فالمقدمات العامة والمعروفة في حالتنا، مثبتة في الدستور ومقدمته والقرارات الدولية ذات الصلة من الـ425 والـ1559 والـ1680 والـ1701 وآليته التطبيقية الموافق عليها في جلسة مجلس الوزراء في 27 تشرين الثاني من العام 2024، ومضمون خطاب القسم وبيان حكومة نواف سلام وثقة مجلس النواب عليه، وجلستي مجلس الوزراء بتاريخ 5 و7 آب من العام 2025، ولو انسحب منها الثنائي الشيعي، والتي تحمل في مضمونها بيانات عامة بحصرية حمل السلاح بيد الدولة اللبنانية وحل كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وبسط سلطة الدولة بقواها الشرعية وحدها على كامل الأراضي اللبنانية جنوبي وشمال الليطاني، لا بدّ أن تصل الى الاستنتاج الخاص المفضي الى انهاء وجود ومهمة ودور سلاح “الحزب” بشكل جذري وواضح.
كذلك إذا انتهجنا آلية “الاستقراء” في التحليل المنطقي لوضعية “الحزب” علميًا وواقعيًا والتي هي “عملية استخلاص استنتاجات عامة من حالات وأمثلة محددة. يتم جمع البيانات والملاحظات حول ظاهرة معينة، ثم يتم استخلاص استنتاجات عامة بناءً على هذه البيانات. فالاستقراء يبدأ من الخاص إلى العام…
في الخاص ومن الحالات والأمثلة المحددة والتي توصلنا الى الاستنتاج العام عن ما آلت اليه “قوة الحزب” وسلاحه وهيبته وتأثير وهجه، نتوقف عند بيان قيادة الجيش اللبناني ـ مديرية التوجيه التالي: “بتاريخ 6 آب 2025، أثناء ملاحقة الجيش سيارة بداخلها المطلوبون (ع.م.ز.) الملقب بـ”أبو سلة” و(ع.ع.ز) الملقب بـ”السلطان” و(ف.ز) في منطقة الشراونة – بعلبك، وقع اشتباك بينهم وبين عناصر الجيش، ما أدى إلى مقتلهم، وهُم من أبرز تجار المخدرات وأخطرهم، كما أنهم مطلوبون لقتلهم عسكريين وارتكابهم جرائم الخطف وإطلاق النار على مراكز ودوريات للجيش، والسرقة والسلب بقوّة السلاح.. لقد عمل المطلوبون على مدى سنوات على ترويج المخدرات وسمومها بشكل واسع في مناطق لبنانية مختلفة، مسببين انجرار الآلاف من الأفراد ولا سيما الشباب وراء الجريمة، كما أن الجيش نفّذ سابقًا عدة عمليات دهم لتوقيفهم، الأمر الذي أسفر عن وقوع إصابات في صفوف العسكريين”.
والمشار اليه “أبو سلة” بالأحرف الأولى، ما هو الا علي منذر زعيتر المحمي الدائم من “الحزب”، ومن الضروري التذكير كيف هدّد رئيس الهيئة الشرعية في “الحزب” ووكيل الولي الفقيه الشرعي في لبنان الشيخ محمد يزبك الجيش اللبناني مع بدء حملته لتوقيف “أبو سلة”، وذلك في لقاء مع الأهالي في منطقة الشراونة في 5 حزيران من العام 2022، إذ قال حرفيًّا: “أعراضكم هي أعراضنا وبناتكم هم بناتنا، وأنتم أنفسنا، ولن نقبل المظلومية لأحد… من هذا المنطلق الذي أوصى به أمير المؤمنين علي، أن نكون الى جانب المظلوم وندافع عنه. هذا كلامنا الأول والأخير، ونحن نمهل ساعة أو ساعتين للانسحاب من الشراونة وإذا لم تحل الأمور فليأتوا ويقتصوا منا أيضا”.
انسحب الجيش يومها من الشراونة بعَيدَ كلام يزبك وفرّ “أبو سلة” الى الأراضي السورية بتسهيل من مسؤول “الحزب” المهدِّد وبمعيته.
هذه الحالة المحددة التي سقطت اليوم والتي تنطلق منها آلية الاستقراء الخاص، الى العام المتعلق بسلاح “الحزب” ككل، كان قد عبّر عنها مغرّد “الحزب” ذائع الصيت أسعد ابو خليل في 19 نيسان من العام 2021، كاتبًا على تويتر: “بالنسبة إلى التهريب، عندما يتعرّض شعب بصرف النظر عن أهوائه، إلى حصار أميركي أو غربي أو خليجي جائر، فمن البديهيّات أن يعمد الشعب المحاصر إلى التهريب لردّ الأذى عنه ومن أجل تأمين القوت. الجريمة الكبرى هي في حصار الشعوب لا في التهريب”.
وتبعه الشيخ صادق النابلسي في 24 نيسان من العام 2021 بقوله: “إن التهريب على الحدود بين لبنان وسوريا هو لحماية المقاومة”، ولم يحدّد طبعًا أنواع البضاعة المهرّبة و”المتاجَر” بها.
قد يكون التسجيل الصوتي لشقيق علي منذر زعيتر الذي هاجم فيه بشدة “الحزب” وحركة أمل بعد سقوط شقيقه، بسبب “تخليهما” عن حي الشراونة، أمثولة وخير استقراء من “التخلي” الحزبي الأملي الخاص المحدد المرغم غير البطل، عن الشراونة وتاجر المخدرات، الى التخلي العام عن السلاح شمال الليطاني وباقي مساحة الـ10452 كلم مربع من الأراضي اللبنانية ذات السيادة.
.jpg)