دخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية حساسة عقب قرار الحكومة إنهاء الوجود المسلّح على كامل الأراضي اللبنانية، بما فيه سلاح “الحزب”، في خطوة وُصفت بـ”التاريخية” لجهة تكريس سلطة الدولة وبسط سيادتها. القرار، الذي أقرته الحكومة برئاسة الرئيس نواف سلام وبإلتفاف سياسي واسع حول رئيس الجمهورية جوزيف عون، فتح الباب أمام تحركات داخلية وخارجية، وأعاد خلط الأوراق في العلاقة بين القوى السياسية المحلية، كما في مسار الاتصالات الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف اللبناني.
لاقى قرار الحكومة إنهاء الوجود المسلّح على كامل الأراضي اللبنانية ترحيباً داخلياً عريضاً، حيث سُجلت مواقف مؤيدة من مختلف القوى السياسية التي أثنت على الخطوة واعتبرتها محطة مفصلية في تاريخ الدولة اللبنانية. وفي المقابل، يدرس “الثنائي الشيعي” خياراته في التعامل مع القرار بعد انسحاب وزرائه من جلسة الحكومة قبل التصويت، وسط معطيات تؤكد عدم وجود توجه للاستقالة من الحكومة أو الدعوة إلى تحركات شعبية منظمة، مع استمرار الاتصالات السياسية لمنع أي توترات ميدانية، والسعي لعقد جلسة وزارية جديدة يوم الثلاثاء المقبل بمشاركة جميع الأطراف.
مصادر وزارية لـ”نداء الوطن”، شددت على أن “ليس من مصلحة أي طرف مواجهة منطق الدولة بالعنف”، في حين كشفت مصادر أمنية عن أن حالة الاستنفار لا تزال مرتفعة مع التشديد على حفظ حرية التظاهر والاعتراض، شرط عدم التعدي على الأملاك العامة والخاصة. وأكدت هذه المصادر إبقاء الطرقات الرئيسية، بما فيها طريق المطار، مفتوحة، لافتة إلى أن الوعي الشعبي يشكل عنصراً أساسياً في منع الانزلاق إلى الفتنة، خصوصاً في المناطق الحساسة وخطوط التماس التاريخية.
في البعد الإقليمي، كشف مصدر وزاري لصحيفة “الشرق الأوسط” عن أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ومن خلال طلبه من “الحزب” عدم تسليم سلاحه، وجه رسالتين: الأولى إلى الولايات المتحدة، بصفتها الجهة التي تقف وراء الورقة التي أعدها الوسيط الأميركي توم برّاك، والتي تقوم على حصر السلاح بيد الدولة. أما الرسالة الثانية، فكانت إلى بيئة “المقاومة” بهدف طمأنتها إلى أن إيران لن تتخلى عن دعمها في المواجهة مع إسرائيل. وأشار المصدر إلى أن موقف عراقجي شكّل محاولة “للاحتكاك السياسي” بواشنطن، عبر تذكيرها بأن إيران تبقى الممر الإلزامي لإقناع “الحزب” بأي تسوية، في إطار محاولة لفتح قناة تفاوضية حول الملف النووي، المتعثر منذ فترة.
من جهة أخرى، نقلت “نداء الوطن” عن مصادر متابعة أن اتصالات سياسية مكثفة جرت أمس لتطويق ذيول الجلسة الحكومية الأخيرة، وسط تأكيد رسمي على عدم التراجع عن المقررات المتخذة. وأوضحت المصادر أن أجواء رئيس مجلس النواب نبيه بري تميل نحو التهدئة والسعي لمعالجة الأمور، مع التشديد على حضور وزراء “الثنائي الشيعي” الجلسات المقبلة.
أما على الصعيد الدبلوماسي، فقد علمت “نداء الوطن” من مصادر رسمية أن زيارة المبعوث الأميركي توم برّاك، التي كانت مقررة هذا الأسبوع، قد أرجئت إلى يومي 18 و19 آب الحالي، بناءً على طلب واشنطن. وأشارت المعلومات إلى أن الجانب الأميركي بعث برسائل إيجابية إلى كل من رئيس الجمهورية والحكومة، عبّر فيها عن رضاه عن القرارات التي اتخذت، واعتبرها خطوة في الاتجاه الصحيح لإعادة لبنان إلى مسار الاستقرار والسيادة الكاملة.
.jpg)