صحيفة النهار – نبيل بومنصف
تبرز في خلفية الخطاب المنفجر غضباً لدى قيادة “الحزب” وأركانه السياسيين عقب القرارين المفصليين لمجلس الوزراء بإنهاء شرعية وقوننة ترسانته وسلاحه، الاستقواء باقتناع لا يقل تصلباً عن عقيدة تقديس السلاح ويتصل بتاريخ من انقلابات ناجحة على الدولة اللبنانية من دون التفات إلى التبدل الجذري في الظروف والأوضاع الراهنة عن الحقبات السابقة. ينكشف هذا الجنوح في تذكير تهويلي بمحطات وأحداث صراعية كبيرة من مثل اتفاق 17 أيار اوعملية 7 أيار او سواهما بما يثبت ان الحزب لم يسلم بعد “بالاعتراف التاريخي” الذي تمليه الكارثة التي نالت منه واستدرج اليها نفسه ولبنان حتى أمام الإنسداد النهائي الذي بلغه في إسقاط الدولة اللبنانية الشرعية عن سلاحه.
والحال ان نظرة عابرة على العقود الأربعة الأخيرة، ما دام اتفاق 17 أيار أقحم في أدبيات التهويل المتصاعدة من خطاب الحزب، تبدو ضرورية لتبين حجم الزلزال المتدحرج الذي حصل في السنتين الأخيرتين وما يتعين على الحزب التروي حياله كثيراً قبل ان يحكم اتباع ايديولوجية العنف العبثي في مواجهة قرار تجريده من السلاح على يد الجيش اللبناني. يأتي الأمر وسط أسوأ ما يمكن تصوره إذا ثبت ان الحزب مسؤول عن الانفجار المشبوه في مستودع ضخم لأسلحته وذخائره في منطقة صور فيما تتواصل عملية التعبئة التي يقودها في الشارع الشيعي ضد قرار مجلس الوزراء.
والحال ان التجارب الانقلابية ضد “الدولة” الما قبل الطائف والما بعدها شكلت العنوان القاتل منذ الثمانينات للشرعية اللبنانية وضعفها وهوانها امام المد الإقليمي الناشئ آنذاك للنفوذ الإيراني مدعوما في لبنان بسيطرة إرهابية واحتلالية لنظام حافظ الأسد ومن بعده بشار. نجح الحزب عند كل تحول خارجي في اسقاطه داخليا بقوة المحور والسلاح مقترناً دوماً بسطوة الترهيب وهو ما ينطبق على فتنة 7 أيار ومحاصرة السرايا بمخيمات الاعتصام لفريق 8 اذار بعد طلب حكومة فؤاد السنيورة إنشاء المحكمة الدولية كما ينطبق على إشاعة الترهيب والفوضى والاغتيالات إبان وبعد التمديد لإميل لحود وصولا إلى اسقاط حكومة سعد الحريري لدى دخوله إلى البيت الأبيض.
واما اتفاق 17 أيار، ولو ان الحزب لم يكن بطل اسقاطه آنذاك، فان الخطأ الفادح في استحضاره الآن، يتصل أولا في التنكر لكون الحزب كان المفاوض المباشر في اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في تشرين الثاني عبر الرئيس نبيه بري وليست الدولة اللبنانية حتى ولو تبنت حكومة نجيب ميقاتي الاتفاق، والتغني باسقاط اتفاق 17 أيار الذي حصل بفعل ظروف الحرب الباردة آنذاك، لن يمنع مقارنة قد تصح بالمقلوب بين تلك الحقبة وظروف تاريخيّة مماثلة الان تتمثل في سقوط المحور الإيراني مثلما سقط الستار الحديدي السوفياتي.
تبعا لذلك تغدو الانفعالات المتفجرة وحملات التعبئة المقذعة ضد الحكومة والرئيس نواف سلام شخصياً وعبرهما ضد عهد الرئيس جوزف عون وسائر مكونات الحكومة، أغرب أنماط الإنكار اطلاقاً ما دام وزراء الثنائي لا يستقيلون .. انه المأزق الجديد بكل معايير التطورات الجذرية الهائلة التي يواجهها الحزب الذي كان لعقدين على الأقل يسخر بدعوة خصومه إلى ان “يبلّوا إعلان بعبدا ويشربوا ميته” وهو الان يدعوهم إلى ان” يبلطوا البحر” .. فماذا عن الذين “يحرثون البحر” بعبثية قاتلة لإدارة عقارب الزمن إلى زمن افل وخر صريعاً؟