
تتسارع أمام طهران خيوط حصارٍ مركّب لم تشهده منذ عقود، حصارٌ لا يقتصر على العقوبات الاقتصادية أو العزلة السياسية، بل يمدّ أذرعه في الجغرافيا والإستراتيجية والردع العسكري. فبينما تلتقط إيران أنفاسها بعد حرب الـ12 يومًا بينها وبين إسرائيل في حزيران من العام 2025، وما تخللها من ضربات إسرائيلية ـ أميركية محكمة على المفاعلات والمنشآت النووية، وجدت نفسها أمام رسالة ردع غير مسبوقة: أي محاولة لإعادة تنشيط برنامجها النووي ستقابل بضربة عسكرية جديدة، وهو تحذير أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأكيده علنًا، مانحًا إسرائيل غطاءً صريحًا لمعاودة الحرب إذا اقتضى الأمر.
لم تكتفِ واشنطن بالردع العسكري؛ ففي 31 تموز من العام 2025، أقرّت أكبر حزمة عقوبات، استهدفت قطاع الطاقة والمصارف وشبكات التهريب، في خطوة تهدف إلى خنق قدرة طهران على تمويل أذرعها الإقليمية وصيانة بنيتها العسكرية. بهذه الضربة الاقتصادية، اكتمل ضلع جديد من مثلث الضغط: ردع عسكري مباشر، وحصار مالي خانق، وتطويق جغرافي يقترب من حدودها.
ومع انطلاق مفاعيل هذه العقوبات، كانت الجغرافيا بدورها تتحول إلى أداة ضغط جديدة، عبر مشروع الممرّ المزمع إنشاؤه في جنوب أرمينيا (سيونيك/زنغزور) برعاية أميركية وبشراكة تركية ـ أذرية، يشكّل في العقل الإيراني “طوقًا” جغرافيًا جزئيًا يحدّ من هامش المناورة الإقليمي ويضع على حدودها شريانًا لوجستيًا ـ طاقويًا خارج نطاق نفوذها. ومع انتقال الإشراف العملي على هذا الممر إلى محور واشنطن ـ أنقرة ـ باكو، تخسر طهران ورقة ممرّ بديل كانت تستخدمه عبر أرمينيا لتفادي العزلة البرية.
في هذه اللحظة، يتزامن الانكماش الجغرافي مع الانكماش السياسي ـ الأمني في ساحات النفوذ التقليدية لإيران: العراق يشهد تراجعًا في قدرة “الحشد الشعبي” على المناورة، ولم يعد هذا التراجع مجرد تطور ميداني، بل تحوّل إلى جزء من مسار سياسي ـ أمني تدفع به قوى دولية وإقليمية، هدفه إعادة احتكار القوة المسلحة بيد الجيش العراقي، على غرار المسار الجاري في لبنان. هذا التزامن في إدارة الملفات يضع أذرع إيران أمام ضغط مزدوج: فقدان حرية الحركة العسكرية، وتحوّل مطلب “حصر السلاح بيد الدولة” إلى قاعدة دولية مشتركة في التعامل مع ساحات نفوذها، من بيروت إلى بغداد. وفي الوقت نفسه، تدخل سوريا في مسارات أمنية ـ اقتصادية مدعومة أميركيًا وعربيًا تضعف قدرة طهران على التدخل بالمعادلة الميدانية، واليمن ينتقل إلى دينامية تسوية بغطاء إقليمي.
بهذا المعنى، تتعرض إيران لنسخة معقدة من الضغط المتزامن: جغرافيا تتحول إلى طوق، واقتصاد يُخنق بمسارات متعددة، وردع عسكري حاضر في المشهد. ما يميّز هذه المرحلة هو التوازي الزمني لهذه الضغوط، بحيث تفقد طهران القدرة على إعادة توزيع مواردها أو نقل المعركة إلى ساحة أكثر أمانًا كما فعلت سابقًا. فكل ساحة باتت مراقبة، وكل تحرك مُكلف، ما يجعل القدرة على المناورة أقرب إلى إدارة أزمات متتالية لا إلى توسيع نفوذ.
وعلى الرغم من محاولات موسكو وبكين إظهار دعم سياسي لطهران، فإن انشغالهما بضغوط داخلية وخارجية من تبعات الحرب الأوكرانية والعقوبات الغربية على روسيا، إلى التوترات التجارية والجيوسياسية بين الصين والولايات المتحدة، يدفعهما لتجنّب صدام مباشر مع واشنطن في هذا الملف، ما أبقاهما على مسافة من المشهد، تاركتين إيران في مواجهة الحصار المركّب من دون شبكة حماية دولية فعلية.
المشهد العام يشي بأن الطوق على إيران يضيق من أربع جهات متزامنة:
1 ـ الردع العسكري الفعّال: بعد ضربة حزيران 2025 والتحذير الأميركي المباشر.
2 ـ الخنق الاقتصادي عبر حزمة العقوبات الأوسع منذ العام 2018، بما يحدّ من قدرة طهران على تمويل أذرعها وصيانة قدراتها.
3 ـ التطويق الجغرافي: عبر ممرّ القوقاز، بما يقلّص منافذ الهروب الإستراتيجي.
4 ـ تآكل ساحات النفوذ: مع ضبط الأذرع الإقليمية ضمن سقف تصعيد منخفض.
هنا يصبح لبنان ساحة اختبار مركزية. قرار الدولة بحصر السلاح في يد الجيش، المدعوم بغطاء خارجي متكامل ـ رعاية أميركية، قبول إسرائيلي ضمني، دعم عربي مفتوح، وإسناد أوروبي أممي ـ ليس مجرد خطوة داخلية، بل جزء من شبكة مصالح دولية ترى في نزع السلاح مسارًا إلزاميًا للاستقرار الإقليمي. قوة هذا القرار تضاعفت بربطه بالمشروطية الاقتصادية: أي تمويل دولي أو مشاريع إعمار وإصلاح تمرّ عبر بوابة تقدّم ملموس في احتكار القوة المسلحة بيد الدولة. هذه المعادلة تجعل الاحتفاظ بالسلاح عبئًا حتى على بيئته الحاضنة، التي تعاني من انهيار الخدمات وفرص العمل.
بالنسبة لإيران، يبقى “الحزب” ورقة نفوذ عالية القيمة، لكنها اليوم محكومة بسقف تصعيد مُدار؛ فأي انفلات نحو حرب شاملة يمكن أن يقضي على “الحزب” وسيضع طهران في مواجهة مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، في توقيت هشّ عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا. من هنا، يتّجه “الحزب” إلى استراتيجية “الضغط المحسوب” عبر خطاب تعبوي ورسائل ضغط محدودة وبعض التشويش الميداني، فيما تتكفّل طهران بدورها برفع كلفة المسار اللبناني سياسيًا وإعلاميًا، كما عكسته تصريحات مسؤوليها الأخيرة الرافضة لقرار نزع سلاح “الحزب”. هذا التشدد العلني، على الرغم من حدّته، يظل ضمن سقف محسوب تدرك إيران أن تجاوزه قد يعرّضها لضغوط أكبر أو حتى لضربة عسكرية جديدة.
هذا التحول يضع أذرع إيران، وفي مقدمتها “الحزب”، في موقع السلاح التفاوضي المقلوب: بدلاً من أن تكون أوراق ضغط هجومية، تتحول إلى ملفات مراقبة دوليًا يمكن استخدامها كورقة مقايضة أو كذريعة لعقوبات إضافية إذا تم تجاوز السقف. بذلك، لم تعد هذه الأذرع مصدر قوة مطلقة، بل صارت أيضًا نقطة ضعف محتملة إذا تم استخدامها خارج حسابات الكلفة والفائدة.
يعكس التصعيد اللفظي الإيراني الأخير حول لبنان إدراك طهران أن خسارة هذه الورقة ستضعف موقعها التفاوضي في ملفات أوسع، من النووي إلى نفوذها الإقليمي. لذا، فهي تمارس دفاعًا سياسيًا شرسًا، لكن ضمن معادلة دقيقة: إظهار التمسك بالأذرع أمام جمهورها وحلفائها، من دون الانجرار إلى مواجهة ميدانية كبرى تفقدها الورقة بالكامل.
إسرائيل بدورها تتبنّى معادلة ردع منخفض التصعيد: خفض الضغط العسكري طالما يتراجع التهديد المباشر، مع إبقاء الجهوزية لعودة فورية إلى الحرب إذا تغيّر السلوك. هذا التوازن الهشّ يخدم حاليًا مصلحة الطرفين الخارجيين الأساسيين: واشنطن التي تريد إبقاء الملف النووي تحت الضغط من دون انفجار إقليمي شامل، وتل أبيب التي ترى في التهديد المستمر ضمانة لحرية الحركة.
لبنان، في هذا السياق، ليس مجرد “ساحة” بل أداة قياس لمدى التزام طهران بإستراتيجية البقاء تحت الضغط. نجاح الدولة اللبنانية في تثبيت إيقاع حصر السلاح وحماية الوحدة الداخلية، مع توظيف المشروطية الاقتصادية كسلاح سياسي، سيجعل من التجربة اللبنانية سابقة قابلة للتكرار في ساحات أخرى. أما الفشل، فسيعيد فتح الباب أمام الخيارات العسكرية ضد ما تبقّى من أذرع إيران في لبنان والعراق، وربما يعيد طرح العمل العسكري المباشر ضد إيران نفسها، كما لوّحت به الولايات المتحدة.
المسار التفاوضي المقبل سيتأثر بمدى قدرة إيران على التكيّف مع هذا الحصار المركب من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. المؤشرات التي ستحدد وجهة الأحداث تشمل: تنفيذ خطة سحب السلاح من يد “الحزب”، حجم الإفراجات التمويلية المرتبطة بخطة نزع السلاح، مستوى الخطاب الإيراني في الملف النووي، ونمط التحركات العسكرية الأميركية ـ الإسرائيلية في الإقليم. هذه المؤشرات ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل نقاط قياس ستحدد ما إذا كانت طهران قادرة على الحفاظ على أوراقها المتبقية أو مضطرة إلى إعادة صياغة استراتيجيتها من الأساس.
المواقف الإيرانية الأخيرة من لبنان تعكس بدقة هذا التوازن الدقيق بين التمسك العلني بورقة “الحزب” والاضطرار الواقعي إلى ضبط السقف والتنازل ضمن حسابات ضقيقة. فطهران، وهي تواجه الحصار العسكري ـ الاقتصادي ـ الجغرافي، لم تعد قادرة على توسيع رقعة الاشتباك، لكنها في الوقت نفسه لن تسمح بتآكل أدواتها الاستراتيجية من دون مقاومة سياسية وإعلامية حادة. وفي المحصلة، ينعكس هذا الطوق المركّب مباشرة على حسابات إيران النووية؛ فكل خطوة تصعيدية في الملف النووي قد تسرّع تفعيل أدوات الضغط العسكري والاقتصادي مجددًا، ما يجعل طهران مضطرة لموازنة خطواتها بدقة بين الحفاظ على ما أمكن من برنامجها وتجنّب دفع المنطقة إلى مواجهة شاملة، أثبتت الأحداث أنه لا قدرة لها على خوضها.
الخيار لم يعد رماديًا: إمّا دولة لبنانية ذات سيادة كاملة وسقف تصعيد محسوب يجبر إيران على التراجع تحت حصار يقوّض أوراقها التفاوضية، أو فوضى تُسقط لبنان في قلب لعبة كسر العظم الإقليمية، حيث قد تكون طهران الخاسر الأكبر.
إقرأ أيضًا: