تأخرت الدولة اللبنانية 35 عاماً عن اتخاذ قرار إنهاء سلاح “الحزب” وحصر امتلاكه واستخدامه بالجيش اللبناني. جميع التنظيمات العسكرية عام 1990 مرّت بهذه التجربة، ولعل أبرزها “القوات اللبنانية” التي كانت تمتلك ترسانة عسكرية كبيرة ومتنوّعة، وصفها بعض الخبراء العسكريين بأنها تضاهي قوة “الحزب”، إذ امتلكت “القوات” طائرات مروحية وطرادات بحرية.
القرار الذي يواجهه “الحزب” اليوم واجهته “القوات” سابقاً، مع ما كان يمثّله سلاحها في الوجدان المسيحي من ضمانة وكرامة، خصوصاً أن هذا السلاح دافع عن لبنان ووجود المسيحيين طوال 15 عاماً ضد الفلسطيني ثم السوري، وكان الهدف الوصول إلى دولة حقيقية وفعلية. وعندما لاحت بشائر هذه الدولة – ولو غير مكتملة – بعد اتفاق الطائف، اتخذ قائد “القوات” سمير جعجع وقيادة الحزب قراراً بالانضواء في كنف الدولة وتسليم السلاح.
من المؤكّد أن القرار لم يكن سهلاً بعد حرب قاسية، خصوصاً أن حسابات الربح والخسارة لم تكن لمصلحة المسيحيين، بعدما خاض العماد ميشال عون حرباً داخلية ضد “القوات” لإلغائها، فأضعف نفسه و”القوات” وأرهق الجميع. لكن النقاش الداخلي في “القوات” تمحور حول سؤال أساسي: “إلى أي دولة نسلّم السلاح؟”. جعجع كان يدرك بعقله الاستراتيجي أن “الطائف” اتفاق دولي، وأن رفضه قد يكون انتحاراً، على الرغم من “النقزة” الكبيرة لديه ولدى كثير من القيادات والعناصر، كون أحد رعاة الاتفاق كان عدو “القوات” والمسيحيين لسنوات طويلة: حافظ الأسد. ومع ذلك، كان القرار الجريء لمصلحة لبنان ككل، وليس المسيحيين فقط، هو الخيار. وربما كان استمرار تحكّم النظام السوري السابق بالقرار اللبناني وعدم التزامه بمندرجات “الطائف” هو “الفخ” الذي نُصب لـ”القوات”.
تعاملت “القوات” مع الاتفاق بنية حسنة، معتبرة أن هناك فرصة للدخول في مشروع الدولة والجمهورية الثانية، لكن بقي لدى كل مقاوم لبناني شعور بالحنين للسلاح الذي كان يحمي منطقته.
في سياق خطة عامة، صدر قرار حلّ الميليشيات في 21 آذار 1991. في المرحلة الأولى، جُمعت الأسلحة وأُخرجت من العاصمة تطبيقاً لخطة “بيروت الكبرى”. بعدها، انتشر الجيش اللبناني في 1 أيار 1991 في كسروان وجبيل وبكثافة أقل في المناطق الأخرى. وكان انتشاره في البداية مركّزاً في مناطق تواجد “القوات”، بحيث أصبحت المناطق الشرقية التي كانت خاضعة لعون و”القوات” تحت سيطرة محكمة للجيش، فيما بقيت سيطرته رمزية في بيروت الغربية والجبل والضاحية والشوف.
في قسم من الجنوب، انتشر الجيش وواجه المقاومة الفلسطينية وتسلّم بعض أسلحتها، مع توافق على بقاء البعض الآخر داخل المخيمات. أما الانتشار في البقاع والجنوب كاملاً فلم يحصل، ولم يسأل عنه أحد، وبدا أن السلطة استثنت “الحزب” من تسليم السلاح بحجة أنه “مقاومة” ضد إسرائيل.
نستذكر هذه الوقائع لا لتنقية الذاكرة فحسب، بل لنقول إن “القوات” تجرّأت آنذاك ليبقى لبنان، أما الوضع اليوم مع “الحزب” فهو مختلف تماماً. وإذا كانت السلطة في مطلع التسعينيات بيد النظام الأسدي، فهي اليوم متحررة من أي وصاية أجنبية، خلافاً لما يزعمه “الحزب” من أن الحكومة مرتهنة للأميركيين والإسرائيليين. وما تدعو إليه الحكومة اليوم هو أن يكون “الحزب” متساوياً مع سائر القوى السياسية اللبنانية، من دون امتياز “السلاح” الذي لا يحق لأحد امتلاكه في أي دولة طبيعية سوى جيشها.
وبخلاف مرحلة التسعينيات، لا أحد يفكّر بالانتقام من “الحزب”، بل يدعوه إلى الانضواء في مشروع الدولة ليصبح حزباً سياسياً محترماً من جميع المكوّنات اللبنانية، والدولة مستعدة لتوفير الظروف الإيجابية لتسليم سلاحه بهدوء وبكرامة، وهو ما لم تحظَ به “القوات” حين سلّمت سلاحها.
وليس من الخطأ أن تطالب الدولة “الحزب” بالتحرر من التبعية السياسية والعسكرية لإيران. والمقصود ليس التخلي عن إيران كمرجعية دينية، بل “لبننة” القرار السياسي وعقلنته.
أما ذريعة “الحزب” لعدم تسليم سلاحه بحجة استمرار الاحتلال الإسرائيلي لخمس نقاط في الجنوب، فليست منطقية، خصوصاً أن الحرب التي فتحها على إسرائيل، على الرغم من إرادة الدولة والشعب، أدّت إلى هذا الاحتلال. ومع ذلك، لا أحد من القوى السياسية يريد استمرار الاحتلال، والجميع يقترح “مقاومة” سياسية بقيادة الدولة لتحرير هذه المناطق دبلوماسياً. وإذا سلّم “الحزب” سلاحه، سيكون موقف الحكومة اللبنانية قوياً على الصعيد الدولي، ولن تجد إسرائيل أعذاراً لعدم الانسحاب.
قرار “الحزب” الرافض لتسليم السلاح يتجاهل المتغيّرات الإقليمية والانهيار الداخلي، فضلاً عن الإجماع الوطني على إنهاء ظاهرة السلاح غير الشرعي لضمان استقرار لبنان. وعلى الرغم من أن السلطة اللبنانية- السورية في مطلع التسعينيات كانت عوراء، التزمت “القوات” باتفاق الطائف وسلّمت سلاحها، فيما استثنى “الحزب” نفسه آنذاك بدعم من سوريا وإيران وتحت ذريعة مواجهة إسرائيل، ليصبح هذا السلاح مع مرور الزمن أحد أعقد الملفات في لبنان.
وإذا كان “الحزب” لا يريد تسليم سلاحه للدولة، يمكنه بيعه لأي دولة راغبة، كما فعلت “القوات” حين باعت جزءاً من سلاحها لدولة في أوروبا الشرقية بموافقة مجلس الوزراء، لأن الأهم كان التخلص من السلاح. وقد أظهر قبول “القوات” بذلك نضجاً سياسياً وعزيمة صادقة للانضواء في مشروع الدولة، فيما يؤكد عناد “الحزب” اليوم أن وظيفة سلاحه ليست مقاومة أعداء لبنان، بل تنفيذ مشروع انقلابي على الدولة و”الطائف” وترسيخ منطق الغلبة في الداخل.

(1).jpg)