#dfp #adsense

تفكيك العقل “النتنياهويّ” خدمةً للقضيّة اللبنانيّة

حجم الخط

مَن يقرأ الكتاب الذي نشره نتانياهو تحت عنوان A Place Among The Nations في نيسان من العام 1993، يدرك تمامًا أنّ الأهداف التي وضعها هذا الرّجل في كتابه هذا قد تحقّق معظمها. نحن اليوم في الأمتار الأخيرة منها. لكن الإشكاليّة الحقيقيّة تكمن في حقيقتنا نحن. ما الذي فعلناه لنواجه هذه الأهداف، لاسيّما أنّها معلنة للملء؟ وهل استطعنا كلبنانيّين أن نحقّق قدرة الدّفاع الخاصّة فينا لنحصّن دولتنا وشعبنا من خطورة طموحات هذا الرّجل؟ وهل قدرة الدّفاع هذه يجب أن تكون بمنأى عن الدّولة والمؤسسات؟

ينطلق نتنياهو في الكتاب لتحقيق الهدف الأوّل في مواجهة الدعاية المضادة وتعزيز الشرعية:

–   في “معركة من أجل الحقيقة” ضد ما يصوّره كـ”دعاية عربية” تهدف إلى تشويه إسرائيل. يسعى إلى دعم حقّ إسرائيل كدولة شرعية، وتبرير سياستها، مستخدمًا التاريخ الحديث والقديم لتفنيد الاتهامات الموجهة إليها. لكنّ الخلاصة الأبرز التي يجب أن ندركها كلبنانيّين أنّ هذه الدّعاية العربيّة قد انعكست بصورة سلبيّة على جوهر وجود الدّولة اللبنانيّة. لا شأن لنا كدولة بما تريده أو لا تريده إسرائيل طالما لا يؤثّر في سيرورة بقائنا واستمرارنا ككيان ودولة وشعب. ومنطلَق مناصرتنا للقضيّة الفلسطينيّة هو منطلق إنسانيّ بحت. من قدراتنا الانسانيّة والديبلوماسيّة لحاجات هذه القضيّة المحقّة.

لقد نجح هذا الفكر بمواجهة هذه الدّعاية من خلال دعمه لبناء سلطة حركة ح. في قطاع غزّة. وبعد نجاح هذه السلطة طوال عشرين سنة تقريبًا، بدا الاسرائيلي بموقع المعتَدَى عليه، لاسيّما أنّ حركة ح. مصنّفة إرهابيّة، ممّا أعطاه القدرة على الدّفاع والتأكيد على الحقّ. وبالطبع هذا ما ليس مؤكّدًا لنّه على حساب كرامة الشعب الفلسطيني. لكنّ الدعاية الاسرائيليّة قد نجحت بقلب الحقائق، وحقّقت باليد الحمساويّة في السابع من أكتوبر ما لم تستطع تحقيقه باليد الاسرائيليّة ذاتها.

–   الهدف الثاني: ضمان أمن إسرائيل ووجودها. وهذا ما كان ليتحقّق إلّا ببناء قوّة وإعداد عسكري يكون وحده الضامن لأمن إسرائيل ووجوديّتها كدولة في  محيط لا يشبهها. يعتمد نتنياهو على أطروحات زئيف جابوتينسكي في A Place Among the Nations، التي تقوم على فكرة أن أمن الدولة العبرية لا يتحقق إلا بالقوة والردع. جابوتينسكي طرح مفهوم “جدار الحديد”، أي ضرورة بناء قدرة عسكرية لا يستطيع العرب اختراقها قبل أي مفاوضات سلام، إذ يرى أن العداء لإسرائيل لن يتراجع إلا إذا اقتنع الخصوم باستحالة هزيمتها. التاريخ، في نظره، يثبت أنّ الأمم الضعيفة تُستَهدف، وأنّ البقاء مرهون بالقوة الاقتصاديّة والعسكريّة والسياسيّة. بالنسبة إلى نتنياهو، هذه الفلسفة تبرر الاحتفاظ بالمناطق الاستراتيجية، ورفض التنازلات التي قد تضعف قدرة الردع الإسرائيلية، ويطرح في كتابه موضوع تحليلنا أنّ القوة هي أساس نجاح الدولة القوميّة. من بين أفكاره لتحقيق ذلك:

•   الاحتفاظ بالضفة الغربية حيث يُصوّرها كجدار دفاع طبيعي لإسرائيل، ويخشاها أن تصبح أكثر عرضة للهجمات لو انسحبت إلى حدود ما قبل 1967.

•   تحذير من التهديد النووي الإيراني إذ يحذّر من أنّ امتلاك إيران لتكنولوجيا نوويّة تحت حكم إسلامي متشدّد سيغيّر ميزان القوى في المنطقة.

الهدف الثالث: إدماج الفلسطينيين بدولة إسرائيل وليس الاعتراف بدولة فلسطينيّة مستقلة. هاتان النقطتان جوهريّتان في قلب العقل  النّتنياهويّ إذ استطاع أن يدرك من العام 1993، أنّ التّخلّي عن الضفّة الغربيّة يعني حتمًا التراجع عن خطّ الدّفاع داخل الأرض التي يعتبرها معادية. تمامًا كما كان الوضع في الشريط الحدودي مع لبنان حتّى العام 2000. بمعنى آخر، بنى نتنياهو حزام أمني بالفلسطينيّين أنفسهم. وهو مستمرّ بسياسة القضم ما استطاع حتّى تحقيق الهدف الأكبر بتحويل الضفّة وغزّة إلى إمارات إسرائيليّة تؤتمر بالسلطات المحلّيّة بما عرف بمشروع الإمارات السبع الذي كنّا من أوائل الذين أضاؤوا عليه. ما يعني عمليًّا إسقاط مقرّرات قمة بيروت التي طرحت مبادرة السلام العربية وأقرت مبدأ حلّ الدولتين والتي عُقدت في 27 ـ 28 آذار من العام 2002 التي أطلق فيها ولي العهد السعودي آنذاك، الأمير عبد الله بن عبد العزيز، مبادرته التي نصّت على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في العام 1967 مقابل تطبيع العلاقات مع الدول العربية، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وحلّ قضية اللاجئين وفقًا لقرارات الأمم المتحدة.

–   الهدف الرابع: سلام مبني على قوة لا تنازل أو ضعف. أمّا بالنسبة إلى النقطة الثانية فها نتنياهو يحقّقها بعد اثنتين وثلاثين سنة ليستطيع تثبيت ميزان القوى لمصلحته. مع العلم أنّ الضرر الإيراني على الشعوب العربيّة يناهز ضرره على إسرائيل بحدّ ذاتها بالمقارنة مع ما عاثته خرابًا بتنظيماته الإيديولوجيّة على حساب وجوديّة بعض الدّول العربيّة. وكان لنا النّصيب الأكبر مع تأسيس جوهر التاج الفارسي في لبنان تحت مسمّى المقاومة الاسلباميّة في لبنان أي منظّمة “الحزب”.

أمّا القضاء على “الحزب” العسكري الذي يخدم المشروع الإسرائيلي، فبالنسبة إلينا كلبنانيّين، لو أنّ عناصر هذا “الحزب” هم مدافعون انطلاقًا من الجيش الوطني، فلا ضير بذلك طالما أنّ وجودهم يرتبط بمؤسسات الوطن وليس بإيديولوجيا ودولة خارج حدود الوطن. ولعلّ هذه هي الخطيئة الكبرى التي ظنّ “الحزب” أنّه يستطيع تجاوزها مع مرور الزّمن، ولاسيّما بوجود يوضاسيّين من مختلف المكوّنات الحضاريّة للنسيج اللبناني، يحقّقون له مبتغاه في السيطرة على الدّولة العميقة،  تمهيدًا لدسترة  وجوده وشرعنته إيديولجيًّا في صلب الدّستور اللبناني.

وهكذا يكون “الحزب” وإيران بيديهما العاريتين قد حقّقا لنتانياهو المبتغى الذي انتظره 32 سنة. وهذا ما يسمح له بالوصول إلى السلام المستدام القائم على مبدأ السلام مقابل السلام الذي أسقط فيه مبدأ السلام مقابل الأرض. بالنسبة إلينا كلبنانيين جلّ ما نريده كدولة لبنانيّة هو أن نسترجع آخر حبّة تراب محتلّة من أرضنا مع ضمانة مستدامة للأمن المستدام على الحدود. أمّا مبدأ السلام فهو محكوم باتّفاقيّة الهدنة الموقعة في 23 آذار من العام 1949 والقرارات الأمميّة وآخرها اتّفاقيّة وقف إطلاق النّار في 27 تشرين الثاني من العام 2024 وآليّة تنفيذها، كما تمّ إقرارها في جلستي الخامس والسابع من آب المنصرمتين.

–   الهدف الخامس: تأكيد مكانة إسرائيل كدولة قوية بين الأمم، وذلك لن يتحقّق إلّا من خلال تعزيز علاقاتها الخارجيّة، وهذا ما نجحت به في لعب أدوار ولو مضمرة في الاتفاقيّات الدّوليّة ولاسيّما بين أذربيجان وأرمينيا والحرب في أوكرانيا، وغيرها من المواضع الدوليّة التي ستكشفها الأيّام القادمة.

أمّا بالنسبة إلينا كلبنانيين، فمتى فهمنا حقيقة هذه الأهداف الخمسة نستطيع فعلًا أن نواجه قوّة كالقوّة الإسرائيليّة. ويبدو أنّ فخامة الرئيس العماد جوزيف عون ودولة الرئيس نوّاف سلام قد أدركا هذه الحقائق التي لا تقبل الشكّ بعد اليوم، لذلك عملا على تثبيت مبدأ الدّولة في الدّولة ودحض مبدأ الدويلة في الدّولة. كما أنّهما نجحا بتلميع صورة لبنان الخارجيّة باختيارهما وزيرًا للخارجيّة أعاد طيف الديبلوماسي شارل مالك إلى منابر الأمم المتّحدة.

هكذا نخدم القضيّة اللبنانيّة. ليس بثقافة الموتوسيكلات وضرب هيبة الدّولة والاعتداء على مؤسّساتها. هكذا فقط نستطيع أن نواجه القوّة الاقتصاديّة الاسرائيليّة لأنّنا متى نجحنا بتثبيت الاستقرار والدّفاع عبر مؤسّسات الدّولة، واوّلها الجيش اللبناني، نستعيد ثقة المستثمرين بلبنان، وبالتّالي ننهض البلد اقتصاديًّا ونتحوّل من دولة تستعطي منتشريها لتنبض بالحياة إلى دولة تعطي منتشريها فرصًا حقيقيّة للاستثمار المحلّي والمنافسة العالميّة. هكذا نجرؤ ليبقى لبنان.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل