.jpg)
تغيرت بيروت وتغير لبنان كثيرًا عن آخر زيارة رسمية لموفد إيراني الى البلد. عمليًا لم تكن زيارات “رسمية”، بل كانت تفقد الرعية “الحزبللاوية”، ومراقبة الأرض وإصدار الأوامر الى “الحزب” ومعه الدولة اللبنانية. كانت زيارات مفوض غير سامي، أو بالأحرى مندوب فارسي يأتي ليملي أوامره، وليتأكد شخصيًا ما إذا كان “الرعايا” مطيعون تمامًا وينفذون الأوامر بحرفيتها، وطبعًا كانوا يفعلون بامتياز تحت عباءة نصرالله قبل اغتياله الصيف الماضي.
ولعل أبرز تلك الزيارات المستفزة كانت لقاسم سليماني الذي احتفل به “الحزب” قبل أن يُغتال بفترة قصيرة، ومن بعدها نشر “الحزب” صوره إمعانًا في الاستفزاز، على طول طريق المطار، متحديًا العالم والدولة بصورة رجل مصنّف عالميًا كإرهابي ومطلوب من العدالة الدولية.
بعد اغتيال نصرالله تحولت زيارات الموفدين الإيرانيين الى لبنان، الى محاولات لشد العصب كي لا تفقد الرعية التزامها وتمسكها بالأوامر الإيرانية، وللتأكد من استمرار لبنان كمحمية لإرهاب النظام الايراني، وخضوع الجمهورية للإملاءات الفارسية.
غالبية الموفدين كانوا إما عسكريين، أو سفراء أو وزراء خارجية، لكن هذه مرة اختلف الأمر تمامًا، إذ وما إن شعر النظام الإيراني أن ثمة جمهورية فعلية في لبنان، خفف قليلًا من حدة كبريائه واستعلائه على الدولة اللبنانية، وقرر رفع مستوى تمثيله السياسي، فجاء الينا نائب المرشد الأعلى، علي لاريجاني شخصيًا! يا للعز يا لبنان، رفعت إيران من مستواها التمثيلي تجاهك، فلتعش بهذه النعمة!
لكن، لكن حصل في لبنان ما لم تتوقعه لا طهران ولا “الحزب” ولا بيئة “الحزب” ولا حتى الدول العربية المحيطة، ولا دول العالم التي تضع لبنان تحت المجهر الدولي، والأهم، ولا لاريجاني الذي تسلح بضحكة صفراوية باهتة مسمومة تضمر ما تضمره لسيادة لبنان وكيانه الحر، خصوصًا بعد سيل الانتقادات الشعبية التي سبقت الزيارة، وبالتالي، وهنا جوهر الموضوع، ما حصل في لقاءاته الرسمية مع رئيس البلاد ورئيس الحكومة وتاليا مع وزير الخارجية.
حط لاريجاني في لبنان ودخل من دون استقبال رسمي، وكأن لبنان يعلن عليه الرفض مسبقًا، أو لنقل العقاب المعلن بسبب تصريحات دولته المستفزة، والتي مسّت بكرامة لبنان وسيادة الدولة. حط من دون استقبال رسمي ولم يحظ الا باستقبال باهت لا يذكر من بيئة “الحزب”. ابتلع الرجل ريقه الناشف وقال في سره “منعوِض عند رئيس البلاد”.
في القصر الجمهوري كانت الصاعقة. ما تعودت الوفود الإيرانية السابقة على الرأس اللبناني الشامخ الصامد بالكرامة، اعتادوا على رؤساء يرضخون يبتسمون يهللون ويقولون “أمرك سيدنا أنت والمقاومة على راسنا”، هذه المرّة رأس البلاد استقبله ببسمة الشموخ وبرأس يعانق الأرز والقسم المقدس الذي تلاه فوق صفحة الانجيل، بأن يزود عن الوطن والشعب، وباسم ذاك القسم جابه رئيس الجمهورية الموفد الفارسي “لا نسمح أن يتدخل أحد بشؤوننا الداخلية، فكما نحن لا نتدخل بشؤون الآخرين عليهم أن يفعلوا بالمثل وأن يحترموا سيادة لبنان، ولا نقبل أن يكون سلاح آخر بيد أحد من خارج القوى الشرعية” قال فيما قاله رئيس البلاد “للضيف” غير المرحب به، واوقعه في الذهول والخيبة.
مع رئيس الحكومة لم يكن الوضع أفضل بل على العكس، سمع كلامًا قاسيًا مباشرًا رافضًا لتسلط السلاح والميليشيا على الدولة، مشددًا على تنفيذ القرارات الأخيرة للحكومة وبحذافيرها والسلاح سيكون بيد الجيش اللبناني ولا أحد سواه، ونقطة على السطر.
خرج لاريجاني وكأنه يتمنى لو لم يأت أصلًا، ابتلع الصدمة ببسمة مسمومة، لم يصرح بأي كلام، انما اكتفى بأخذ صورة وهو يضحك مع رئيس الحكومة للإيحاء بأن كل شيء ما زال على ما يرام، ولم يتغير شيء في الدولة اللبنانية “الضعيفة” الراضخة لسطوة الميليشيا والدولة الأم إيران.
لأول مرة منذ سنين شعر المندوب الإيراني أنه فعلًا “ضيف” وليس من أهل البيت، كما اعتاد أن يكون، حاول التحايل على اللحظة، حاول النكران، لجأ الى لقاء “الصديق” الوحيد المتبقي نبيه بري، الذي استقبله بالأحضان وخرج من عنده متسلحًا بالأمل الكاذب، إذ عرف أن بري وحده لن يفيده، عرف أن لبنان تغير تغير كثيرًا، وكانت ذروة الغضب المكتوم عندما سُئل ما إذا كان سيزور وزير الخارجية فأجاب “ضيق الوقت يمنعني من زيارته”، بعدما كان أعلن وزير الخارجية قبل وصول الضيف الإيراني لبنان، أنه لن يتسقبله بسبب التصريحات المستفزة التي سبقت وصوله. أداء وزير الخارجية يوسف رجي كانت صدمة جديدة حاول الإيراني امتصاصها، إذ اعتاد خارجية لبنانية ـ إيرانية وليس خارجية لبنانية ـ لبنانية تحكي باسم الشعب اللبناني الحر وتتبنى مواقف خارجية تنقل صورة مشرٍفة عن الدولة اللبنانية وتتماهى بالكرامة مع رئيس البلاد ورئيس الحكومة.
ما اعتاد “الضيف” الإيراني أن يكون ضيفًا، خصوصًا أن هدف زيارته كان التشويش على قرارات الدولة اللبنانية، وتحريض “الحزب” على التمرد والتسلح باسم المرشد الاعلى، وتحريض أرضية “الحزب” على المزيد من الفوضى، فجابهته الدولة اللبنانية بما لا يرضيه على الإطلاق، ولا يهم ما يقوله في لقاءاته وبيئة “الحزب”، إذ كله هباء بهباء، لأن القرار الكبير اتخذ ولا رجوع الى الوراء، وصار للبنان رئيس جمهورية فعلي ورئيس حكومة فعلي، وإيران دولة غريبة “وعلى الغريب إنو يكون أديب” هكذا كان يقول بو ملحم، ومن يزور لبنان من أي بلد آخر هو “ضيف” وليس ربّ المنزل.
عرف لاريجاني هذه الحقيقة المرّة حتى لو لم يعلنها، لكنه قال في سره “ليتني ما أتيت فهذا ليس لبنان الخاضع الذي اعتدت عليه، هذا لبنان كنا نسمع عنه منذ زمن كميل شمعون ويبدو انه عاد وعاد بقوة”…
وعاد الضيف أدراجه خائبًا…
