.jpg)
شهدت البشرية عبر تاريخها محطات مروعة لم يعد فيها الشر استثناءً، بل قاعدة تتحكّم في المجتمعات. لا يقتصر الشرّ على العنف فحسب، بل يتفوق عليه موتاً ودماراً، فينسف المجتمع والفرد والقيم والحريّات.
في مملكة الشرّ يفقد المجتمع بوصلته، لتغدو الجرائم وسيلة مبررة باسم مصلحة آلة الشرّ العليا. في غفلة من التاريخ، انزلقت دول عريقة في دوامة الشمولية: إيطاليا دانتي أصبحت فاشية وألمانيا غوته اعتنقت النازية وروسيا دوستويفسكي تحولت إلى شيوعيّة شمولية. لا يضرب الطغيان فجأة، بل يتسلل بصمت، كما المرض الخبيث الذي يصعب تشخيصه باكرا، وحين تظهر أعراضه يصبح شفاؤه شبه مستحيل.
من الهزيمة إلى الكراهية الجماعية: كيف يتحول مجتمع حر إلى مساحة خراب واستبداد؟ كيف لشعوب أن تهتف لقاتل يقودها نحو موت محتّم؟ ابحثوا عن الفرد المحطَّم يتآكله في عزلته الشعور بالذنب والذل والعار. تنمو الديكتاتورية على أنقاض الفرد والمجتمع المهزومَين اللذَين يقض مضاجعهما هوس الانتقام. يتسلّل الطغيان إلى نسيج المجتمعات ويتغلغل فيها صامتاً كالسُم. هاجسه الأوّل كوكبة الجماعة حول عدوّ، وهميّ أو حقيقيّ، ليصبح القضاء عليه علّة وجودها. لا استقرار ولا تطوّر ولا ازدهار قبل القضاء عليه. يُخرِج هاجس الانتقام الفرد من عزلته ليذوب في جماعة منتشية تسلبه فرادتهُ وحسّه النقدي. لا يلْبث الطاغية أن يزرع في جماعته العمياء إيديولوجية غير قابلة للنقاش تفصلُها عن الواقع تماماً. معارك وهميّة. انتصارات وهميّة. خسائر حقيقيّة.
الشرق الأوسط ليس في منأى عن هذه الظاهرة، فهو حافل بتجارب الاستبداد المتنكرة في ثياب التحرّر والتحرير. بعد نكبة 1948، لم تمضِ سوى أربع سنوات حتى بدأ العسكريون ببسط سيطرتهم على دول مثل مصر وسوريا والعراق وليبيا. رفعوا شعارات الحرية والعدالة وتحرير فلسطين، لكنهم قدّموا لشعوبهم قمعا وفسادا وهزائم متتالية، أبرزها نكسة 1967. كذلك الثورة الإيرانية، التي ادعت أنها ثورة المستضعفين في الأرض، وسرعان ما تحولت إلى نظام ثيوقراطي عنيف، يستخدم الدين والطائفة أدوات للسيطرة. استغل النظام الإيراني الشيعة في لبنان والمنطقة، وقدم لهم شعورا زائفا بالتفوق، مشابها لما فعلته النازية في ترويجها لأسطورة “العرق الآري”.
“الحزب” النموذج الحي للشر المنظم في لبنان
يُعَد “الحزب” التجسيد اللبناني الأكثر وضوحا لدينامية “الشر المنظم”. لقد نجح في اختطاف الطائفة الشيعية تحت شعار “المظلومية والحرمان” وبنى سردية متكاملة عن فائض القوّة والبطولات الوهمية في مواجهة إسرائيل. هذا الخطاب غذّى شعورا بالتفوق على سائر المكونات اللبنانية وأرسى نظاما من الهيمنة، حيث لم يعد للآخر وجود مشروع، بل مجرد وجود “مقبول” بفضل “كرم أخلاق” القوي. أصبح الحزب يفرض على بيئته خطابا موحدا يقتل التنوع ويخنق النقاش. الانغلاق على الذات وتمجيد “الانتصارات” والعيش في حالة إنكار، كلها مؤشرات لانسداد الأفق. المجتمع الذي يعيش في حالة إنكار يستفيق على ضجيج الكارثة.
ركام الأغورا agora والفضاء المفقود
في كل حضارة حية “أغورا”، وهي لدى الإغريق ساحة عامة تداولوا فيها شؤون السياسة والفلسفة بكل حريّة، فوُلدت المواطَنة منها وفيها. حين يستهدف الطغاة هذا الفضاء، فإنهم لا يدمرون مجرد ساحة، بل يدمرون الفرد الحرّ والمجتمع المتنوّر. “الأغورا” في المجتمع الشيعي في لبنان باتت ركاما. لا مساحة للحوار ولا تعددية ولا فكر نقدياً. تبني التوتاليتارية هيكلها الجهنمي على أنقاض “الأغورا”، فتحوّلها إلى مقبرة للحريّة. حين يصمت الفرد المتحرر تصرخ الجماهير المستعبَدة ممجِّدة جلاديها. الصحوة والنهوض نحو الحرية تحدّ واجتياز صحراء النقد الذاتي طويل ومؤلم.
من الخراب والخيبة إلى النهوض
رغم كل شيء، ليس الانهيار قدرا محتوما. يمكن الشعوب أن تنهض من حطامها، لكن ذلك لا يحصل إلا بإعادة بناء “الأغورا” المفقودة، ساحة الفكر والحوار والحرية. إعادة بناء “الأغورا” الشيعية في لبنان ضرورة لها لتتحرّر من عقد الفوقية وعبودية الكراهيّة نحو فرد روحه الإنسانية ووطن تسكنه الحريّة. يعاني لبنان خللا في المدماك الشيعي، الشريك المؤسِّس، وكل ما يزيده حريّة وصلابة يقوّي دعائم الوطن. الشر المنظم ليس قدراً ولا خياراً.