صحيفة النهار- نبيل بومنصف
لم يحتف “الحزب” وأنصاره وإعلامه بزيارة مسؤول إيراني لبيروت، حتى أيام أمينه العام الراحل نصرالله، مثلما فعلوا خلال زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، ليس من منطلق ما يعتبر ثوابت في علاقة الرباط الأبدي “الحياة أو الموت” بين الحزب وإيران، بل أكثر حتى بما يحمّل الزيارة أكثر مما تتحمل.
استفاض الإعلام اللبناني عموماً وبالغ أيضاً في تغطية زيارة لاريجاني، في وقت لا ندري كم استطاع أن يجذب اللبنانيين إلى “مادة” لا تقدم ولا تؤخر في تصنيف اليوميات الثقيلة، ولكن هذا الغلو شكل مناخاً مضافاً للحزب في زيادة التشويق حول المسؤول الإيراني.
اللافت في هذه الحفاوة وإمعان الحزب في اصطناع “العفوية” المزعومة في استقبال “جماهيره” للاريجاني عند بوابة مدخل مطار رفيق الحريري الدولي، أنها تكمن بثقلها الواقعي في ما يرجوه الحزب لنفسه من إيران بعد، كما ترجوه طهران لنفسها من “ساحة” كانت أساسية لها وبدأت تتفلت من يدها وتنذر حليفها بآخر المعارك الخاسرة، مع أن بغداد كانت المحطة التي سبقت بيروت مباشرة في جولة لاريجاني. وعلى أهميتها الاستراتيجية الكبيرة في مسار قراءة تراجع النفوذ الإيراني، لم تأخذ الوهج الذي حرص المسؤول الإيراني وحليفه “الحزب” على جعل بيروت مسرحه.
برز بذلك الاختناق المزدوج لدى طهران والحزب، جراء تعاقب الضربات الاستراتيجية في فترة قياسية تحت وطأة انهيار محور الممانعة والحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران والخسائر العسكرية والبشرية الكارثية للحزب، بما أفصحت عنه الرسالة العميقة الكاشفة لأحوالهما عبر هذا الاصطناع المضخم لزيارة مسؤول إيراني ليس بحجم ومستوى “زعامات” مما يستحق هذا الغلو.
الأهم من المهم أن كلمة “المقاومة” التي وردت في تصريحات لاريجاني وكلماته في يومه الماراثوني “الدعائي” بين بيروت والضاحية الجنوبية، ترددت عشرات المرات لتكشف أن ما سعت إيران أساساً إليه ومهدت له في تصريحات أغاظت اللبنانيين واستفزتهم بتدخلاتها السافرة، هو مد آخر الخشبات لتعويم ورقة سلاحها وترسانتها لدى “الحزب” أداة نفوذ أخيرة للمقايضات مع أميركا، في حين يقف الحزب على مشارف اليتم الإقليمي تماماً متى طارت ورقة “المقاومة” من تكوينه. لذا تبدلت وجهة الحدث التي أرادتها طهران ومعها الحزب للزيارة، حين صدما بما لم يأخذانه سلفاً في الاعتبار والحسابات بسبب آفة الإنكار التي تجمعهما أكثر من أي “عقيدة ومبدأ”، أي الموقفين الحاسمين اللذين أعدهما رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام للضيف الآتي إكراهاً إلى بيروت.
يمكن اختصار الموقف الحاسم الرافض للتدخل الإيراني والمتمسك بقرارات الحكومة لجهة حصرية السلاح ورفض أي سلاح غير شرعي بعد الآن، بأنه الإعلان الرسمي اللبناني المثبت أمام موفد طهران إلى نهاية رسمية للوصاية الإيرانية وتدخلاتها في لبنان وليس أقل من ذلك.
صحيح أنه في سوابق التجارب قبل العهد الحالي حصلت “خلجات” مماثلة بين موفدين إيرانيين ومسؤولين لبنانيين، لكن استدراج ايران للموقف الرسمي الحاسم كما تبلغه موفدها في الساعات الأخيرة، لا يشبه ما سبق في الظروف والتوقيت ودلالات المضمون السياسي والسيادي. أرادت طهران أن تحشر لبنان مجدداً ساحة بريد لمصالحها وحماية “مقاومها” الحارس لهذه المصالح، فجاء الجواب الأبلغ من حسابات الإنكار المتغطرسة من حيث لم تحسب طبعاً.
لم يكن تجاهل إعلام “الحزب” لأخطر كلام سمعه موفد أجنبي من رئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين إلا ترسيخاً لحدث انقلبت وجهته رأساً على عقب.
