







“يَونو طليتو طعينو لِه لنِشرو عتيق يَوموتو”…
“اليمامة الصبيّة حملت بالنِّسر العتيق الأيام!
يمامةٌ تحبل بنسرٍ. إنَّه التَّبليغ المذهل عن نقض أنظمة طبيعة التناسل البشري من أساسها. تبليغٌ بواسطة رسالةٍ مضمونة البريد بالشَّفهيَّة والشفافية قد حملها “جبرائيل المرسل من لدن الله إلى عذراء في النَّاصرة تدعى مريم، مخطوبة على رجلٍ يدعى يوسف”!
ترنيمة سريانيَّة على مقام البيات “قَدمويو”، هي الأعتق نظمًا والأخشع لحنًا وإنشادَ، كما هي الأذهل تعبيرًا والأعسر إفهامًا، لكنَّها الأغزر نعمًا. لا فصيل من فصائل زهر المروج يدهشُ كما تدهش هذه البنيَّة الفوَّاحة في بيت أبيها يواكيم، الذي من سليلة داود الملك، وأمها حنة التي مِن قبيلة هارون الكاهن. هي الصَّبية اليافعة المتبرِّجة بالبراءة والبساطة والتَّقاوة وتلاوة الصَّلوات الصباحية الندية المنثورة نثر الشروق والتَّأملات المسائية المتأمِّلة بانصياع النهار لقوانين الغروب، تعبيرًا عن انجذاب سنوات العمر من بداياتها إلى نهاياتها. هذه المنزَّهة عن عيوبنا العرضية والأصلية، كيف تم اختيارها ودعوتها كي تكون الأساسيَّة في صميم وتصميم انكشاف حنان الأبوَّة في الله، وطالما تمَّ التعريف عنه بالقوي المرهوب الرَّهيب الجبَّار، والكشف عن حبَل داخلَ رحمِ عذراء لم تعرف مخدعًا زوجيًا إلاَّ عفَّة مخدع الياسمين وعلوِّ أصالة وشهامة ذلك العفيف البار الذي “كادَ أن يطلِّقها سرًا بعيدًا عن توحُّش خناجر شرف العشيرة”!!
ستحبلين وتلدين أبنًا
بلهفة بِكرٍ وديعة مؤتمنةٍ على سماويَّة رصيد بتوليَّتها، واجهت الوحيدة المُعفاة من ضريبة الخطيئة الأصلية، الملاك الواقف أمامها قائمًا بأعمال ساعي بريد الرب: “كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً”؟؟…
هو مالك الأبوَّة الأزلية يا مريم، يعرِّفكِ على الرَّجل يسوع ابنًا وحيدًا له ولكِ… هو الروح الأقدس يا تربيَّة حنَّة ويواكيم، يُعرِّفكِ على الرَّجل يوسف ابن يعقوب، ومَن غير هذا النجّار السَّكوت نافسَ الروح القدس على قلبك وخاتم خطوبتكِ، يا بتولاً مكرَّمة وممدوحة!
ستحبلين بأمم الخليقة جميعها من أوَّل آدمٍ كان إلى آخر آدم سيكون، ومَن غيرك يحوِّل الأرض من كرةٍ يتقاذفها ملوكها العتاة إلى مزودٍ لا يصاب بحجر الجريمة الكونية الأولى، ذاك الحجر الذي اغتال فيه قايين أخاه إبراهيم، وحسدُ الأخوة ما يزال في ديارنا عامرًا… مَن غيره مزود الطفل كان ويبقى النَّقيض الأخلاقي لسفينة نوح، لا يستثني لاجئًا إليه طوال أربعينيَّات أيام الطّوفان لا ذكرًا ولا أنثى، فالمولود منكِ يا عذراء الأمهات، ستطوف منه دماءٌ كافيَّة لإلغاء قانون الإعدام إغراقًا وإهلاكًا بالطَّوفانات، وسفينة أولئك التلاميذ المطوقة بعربدة الموج وعتو الأعاصير.
مزودكِ الأموميُّ يا أمّ يسوع عائم بدموع طفلك، حسرة وقهرًا على أخوته أطفال المياتم، والرُّضَّع المرميين سفاحًا داخل المستوعبات وفي أفضل الأحوال أمام الكنائس والأديار وسائر بيوت أبانا الذي في السماوات.
أنتِ التي وُجدتِ حبلى من الروح القدس، ستلدين يا سلطانة العذارى آدم جديد لا يلقي بعاتق ذنوبه وبلايا خطاياه على حوّاء… كما ستلدين حواء جديدة كما مجدليَّة جديدة، لا تخضع لشريعة الرَّجم كلَّما اهتاج شرف الفرِّيسيين الرَّفيع منه والغليظ، واستشرس واستفرس… حيَّة الجنَّة الأولى قد لسعت غريزة الفضول والحشرية عند آدم وحواء معًا، وسويًّا اكتشفا عريهما المستتر أصلاً بالبراءة الأولى، وخطوةً إزاء خطوةٍ هربا متستِّرين من أمام وجه خالقهما من دون عريٍّ وإباحيَّة!!
ها أنتِ أمةُ الرَّب
مريم في معجم الأسماء السَّاميَّة هو اسمٌ أنثويٌ علمٌ وتفسير سموِّ معناه “خادمة الهيكل”، وها الخدمة المريميّة الهيكليّة تنطلق من هيكل خدمته طفلةً وفتاة، إلى هيكلٍ دخلته يوم دخول يسوعها، إلى هيكلٍ تقدمة الابن لأبيه، محمولاً على يد سمعان الشيخ المعاين بعيون جميع أجيال الخليقة خلاص الربِّ لجميع شعبه، من دون استثناءٍ أو اختيار محدود بشعب واحد… وانفرجت أسارير الأمومة بعد انشغال بالٍ مضني وقلقٍ لهّاب في هيكل وجد الأبوان فيه ضناهما الضائع منذ ثلاثة أيام، عملاً بما هو لأبيه الذي أرسل ابنه الوحيد نورًا للأمم .وهل من شكٍّ واحد بأن أمة الرب قد خدمت الهيكل بغضبة صوت ولدها وسوطه يوم ألهب رؤوس التجار وظهورهم وأياديهم وقلب موائد الصيارفة ورمى بأقفاص كشَّاشي الحمام، وكاشفي حسابات دنيئة، في هرطقة ربط مداخيلهم بمداخل الملكوت، ملكوتٌ لا يدخلونه ولا يدعون الدّاخلين يدخلون. والهيكل الأخير يوم خدمتيه أيتها الثكلى بانسكاب دموع الأم الحزينة دمعًا هزهز أساساته وحرقة قلبٍ أسقطت حجابه، والهيكل الأقدس جسدٌ ألهبته السِّياط ومزَّقته الجراح وبرَّحه إجرام وعرير السفَّاحين، وقدس الأقداس معلَّق مرفوع بين خسوف الشمس وخشبة صلب إضافيَّة قد غُرست بقصد إنزال العار على المصلوب، بين لصَّين فأمست كرسي اعتراف لتوبة وغفران اللص اليمين وغاية سرقته الفردوس!!
الانتقال عيد سيِّدة وراهبة
انتقال الألوهة من سماء الجلالة والصَّباؤوت والجبروت إلى أرض النبوءة بالبنوَّة، المولودة بين الغربة والليل والصَّقيع ومضافة كهف الرعاة، كان السَّابق لانتقال الأمومة الكليَّة العذرية من أرض الثلاثة والثلاثين سنة إلى السَّماء بكامل جسد ونفس وروح وخفقات حنان أمٍّ ولا كل الأمَّهات، احتضنت الكلمة التي صارت جسدنا، وربَّت مَن كان في أزله محجوبًا خفيًا ليتحوَّل في بيتها وحياتها سرًا معلنًا من أقدس أسرار أفراحها وأحزانها وأمجادها وأنوارها!
هذه الملكة الفقيرة المعروفة بانتقالها الدائم إلى حيث يدعوها الذي أعلنها أمًا أبديَّةً مرادفة لأبوَّته الأزلية، إنَّ لملكة الانتقال إلى أعلى من مفاتيح بطرس بوّاب أورشليم العليا، بطرسيَّة حملاويّة لبنانيَّة راهبة الانتقال الدائم الامتثال، لنذر طاعة تنتقل بها من دير إلى دير ومن منطقة إلى منطقة ومن رهبانية إلى رهبانية، والبطرسية المنتقلة إلى حرائق دروب صلبان حزيران دير القمر 1860… إنَّ أشهر انتقالاتها صلبًا وصلابةً وحلاوة ومرارة وأشواقًا ومشقَّات، ساعة تممت انتقالها زحفًا، وشريكة أخواتها في حضور قداس عيد القربان..
يومها زحفت وفي جسدها المتخلِّع الأوصال صمود حنجرتها الشجيّة الصوت في إنشادها مئة ترنيمة تنشد ابتهالات رفع الكأس: “يا أبا الحق ها هي أبنتكَ ذبيحةً ترضيك”!!
سيِّدة النَّجاة البكفيَّاوية
فوق أنقاض محبسةٍ للنسَّاك الأنطونيين تطوَّعت همَّة الرهبان اليسوعيين لبناء دير في بكفيا على اسم السيدة العذراء، فكان حجر الأساس فاتحة تشييد قياسيٍّ في اختزال التوقيت العمراني المبتدئ عام 1833 بمعيّة همم الأمير حيدر أبي اللمع المالية والمعنوية والتقوية والحماسيَّة، لوضع بكفيا وسائر الجوار تحت حماية سيدة النجاة، وقد أنجز روعة أيقونتها الرسَّام الشهير “ساسو فيراتو”، فوصلت إلى كنيسة الدير اليسوعي البكفيّاوي عام 1834. وفي العام 1837، كانت الكنيسة منطلق احتفالات الأخويات المريمية ورفع بيارقها السيِّدية، وبعدها تكرَّست مقرًا لقبول المبتدئات المنضويات ضمن قوانين رهبانية الراهبات المريميات!
دير سيدة النجاة هو الشاهد الأول على انتقال بطرسية مراد صابر الريِّس المعروفة في سائر الجوار “بزنبقة حملايا”، مِن يتمها المبكر في بيتها الوالدي، كي تتراءى لها ملامح وجه أمها رفقا في رحيب محيّا “أم الله الحنونة كنز الرحمة والمعونة”.
الحملاوية الزنبقية إنَّ في لقبها جوهر تاريخ حياتها الجريحة في ولادةٍ وطفولةٍ باكرًا، غابت يد أمها عن هزِّ سرير طفولتها وتسريح جدائل شعرها وضمِّها إلى خافق صدرها وهدهدة جفونها، بالنوم على أغنية “طير الحمام”. يتيمة الأم رفقا الجميَّل البكفياوية المنتمية أصلاً ونسبًا إلى المشيخة “الجُميليَّة”، لم تأنف أن تبدأ صباها النَّضير خادمة في دارة الوجيه الدمشقي أسعد البدوي، ثمَّ عودتها إلى بيتها الوالدي مشروع خلاف نسائيٍّ بين خالة هي أخت أمها تريدها زوجةً لأبنها، وخالة هي زوجة أبيها صمَّمت على تزويجها من أخيها. وفضًا لخلاف الخالتين، كان العريس يسوع هو الصِّهر الوحيد للوالد مراد صابر الريَّس. العريس يسوع وقد طلبت الوالدة رفقا يده لبطرسيتها وجهًا لوجه. من دير سيدة النجاة بكفيا إلى مدرسة جبيل وإكليركية غزير، ثم إلى دير القمر الذَّبيح وذلك الصبيُّ الشريد المطارَد ملتجئًا محتميًا بثوبها الرهباني المريمي اليسوعي…
ومن دير القمر إلى معاد المباركة العامرة في بلاد جبيل، معلِّمة في مدرستها للفتيات المعاديات لسائر الجوار، وبعدها انحلال رهبانية المريمات ورسالة توصيَّة حملتها الراهبة الشريدة من راعي أبرشية جبيل المارونية المطران يوسف فريفر إلى رئيس الرهبانية اللبنانية المارونية الأب ألعام افرام جعجع البشراوي، وفيها أبلغ التَّبليغ أيجازًا: “واصلة إليك هذه النعجة الوديعة فأرجو قبولها”، ويوم 12 تموز من العام 1871، وصلت معلمة معاد ونعجة المسيح إلى دير القديس الذي لم تتعرف عليه في حلمها الترهبي، فتعرفت عليه في دير مار سمعان العمودي ـ أيطو الشهير بدير مار سمعان القرن، يوم دخلته في 12 تموز من العام 1871 وتوثَّقت المعرفة يوم 25 آب 1872،ىيوم رفعت نذورها للرب راهبةً لبنانية مارونية، متوشَّحة بإسكيم الملائكة على يد الأباتي البشراوي افرام جعجع!
يوم الوردية الكبير الأحد الأول من تشرين الأول من العام 1885، كان يوم الانتقال المشابه لانتقال مريم إلى أقدام الصليب، لكن لم يكن إلا انتقال المصلوب بكامل عدّة صلبه ووفير أوجاعه إلى أغلى أمنيات الراهبة رفقا. مصلوب البتولة مريم دام صلبه يومًا واحدًا فوق هيكل جمعته العظيمة، ومصلوب البتولة رفقا امتدَّ صلبه على كامل مساحة جسدها تسعةً وثلاثين سنة بنهاراتها ولياليها!!
بعد صعود الرب بأعوام نورانية تم انتقال أمه بنفسها وجسدها إلى السماء، يوم 23 آذار من العام 1914، انتقلت الأخت رفقا الريس الحملاوية بعينها المقتلعة وبصرها المنطفئ ومفاصلها المتخلِّعة وعظامها المفككة ونزيفها الدائم وصوتها الرَّخيم وصبرها أعجوبة الأعاجيب. فهل من فرقٍ أو تمييز عند أبن الله بين انتقال مريم بجسدها الأمومي وانتقال راهبته رفقا بجسدها المعلَّق مصلوبًا على جسدها!!!