اعتبر وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف أن المرحلة الراهنة تمثل لحظة مناسبة لإحداث تحول نوعي في مسار السياسات الخارجية الإيرانية والإقليمية، داعياً إلى اعتماد نموذج جديد يقوم على الدبلوماسية بدلاً من منطق التهديد والصراع.في مقال مطوّل نشرته مجلة فورين بوليسي، أوضح ظريف أن الدفاع القوي سيبقى ضرورياً في ظل التحديات الأمنية، إلا أن الحل الدائم – بحسب تعبيره – لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مبادرة دبلوماسية جريئة وتحول تاريخي لإيران والمنطقة نحو الانفتاح والتعاون. وحدد ملامح هذا التحول في توسيع العلاقات مع دول الجوار ودول الجنوب العالمي، إضافة إلى إطلاق شراكة إقليمية بين دول غرب آسيا الإسلامية، وإعادة فتح قنوات الحوار مع أوروبا والولايات المتحدة.
شدد ظريف على أن بداية هذا المسار يجب أن تنطلق من الداخل الإيراني بالاستناد إلى مرونة الشعب الإيراني وإرثه التاريخي الممتد لآلاف السنين، قبل أن تمتد إلى المحيط الإقليمي. وأكد أن الموقع الجغرافي لإيران، بحدودها مع 15 دولة ووقوعها على مفترق طرق أوراسيا، يشكل رصيداً استراتيجياً بالغ الأهمية. وأشار إلى أن المنطقة تحتضن روابط حضارية وثقافية عميقة، صمدت عبر قرون أمام الغزوات والإمبراطوريات والاضطرابات، لكنها لم تنجح بعد في بلورة تعاون إقليمي حقيقي.
أضاف أن العقبات التي واجهت الدبلوماسية الإيرانية طوال عقود تعود إلى “نماذج الشكوك والتهديدات”، لكن التصعيدات الأخيرة التي قامت بها إسرائيل خلقت وعياً جديداً بالضعف المشترك في المنطقة، مما يفتح الباب أمام فرصة نادرة يجب على دول المنطقة اغتنامها. وعدّد الدول المعنية بهذا المسار، من بينها البحرين ومصر والعراق والأردن والكويت وعُمان وقطر والسعودية وسوريا وتركيا والإمارات واليمن، إضافة إلى إمكانية توسيعه ليشمل باكستان وآسيا الوسطى والقوقاز.
اقترح ظريف أن يجري ذلك تحت مظلة الأمم المتحدة من خلال صياغة ميثاق جديد يحوّل المنطقة من حالة التجزئة إلى حالة التآزر، عبر مشاريع مشتركة تشمل ممرات الطاقة، التعاون الاقتصادي، أطر منع الانتشار النووي، والوحدة الثقافية. واعتبر أن هذه المبادرة قادرة على أن تصبح محركاً حقيقياً للازدهار المشترك.
كما لفت إلى أن الاتفاق الأخير بين أذربيجان وأرمينيا في واشنطن يجب أن يُنظر إليه ليس كتهديد بل كفرصة، إذ يفتح المجال لإحياء مشاريع التعاون في مجال النقل العابر في القوقاز بين إيران وروسيا وتركيا ودول المنطقة. ورأى أن هذا السياق الجديد يعزز مبادرة إيرانية طرحت عام 2019، ويمنحها قابلية أكبر للتنفيذ بما يفتح فرصاً استثمارية للقطاع الخاص في الولايات المتحدة وغيرها.
ختم ظريف بالتأكيد على أن الركيزة الثالثة في هذا التحول تكمن في الدبلوماسية العالمية، معتبراً أنها الأصعب بالنسبة لإيران نتيجة خيبات التجارب الماضية، لكنه شدد على أن إيران والمجتمع الدولي يتقاسمان مصلحة وجودية في تجاوز تلك التجارب وبناء مستقبل مختلف يقوم على التعاون لا الصراع.

