#adsense

خاص ـ حرب أهلية “على مين؟” (جورج حايك)

حجم الخط

حرب أهلية

كلّما اشتدّت الضغوط على “الحزب” لتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية تنفيذًا لقرار الحكومة، تتصاعد حملاته ضد أركان الدولة، ولا سيّما رئيسَي الجمهورية والحكومة، لأنهما أقدما على خطوة تاريخيّة تأخّرت 35 عامًا. ولا شكّ أنّ هذه الخطوة لم تلقَ ترحيبًا من النظام الإيراني الذي يسعى إلى تجميع أوراقه في المنطقة تمهيدًا لجولة جديدة من المفاوضات مع الغرب عمومًا، والولايات المتحدة خصوصًا.

لذلك صعّد الأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم خطابه السياسي، بل الحربي، مهدّدًا بـ”حرب كربلائيّة” ضدّ كلّ من تسوّل له نفسه المسّ بسلاحه. وقد بدا واضحًا التناغم مع الموقف الإيراني إثر زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إلى بيروت وتصريحاته السلبية حيال قرار الحكومة اللبنانية، بالتوازي مع مواقف إيرانية أخرى تدخّلت بصفاقة في الشأن الداخلي اللبناني. لكنّ الرئيسين جوزف عون ونواف سلام واجها هذه التدخلات بشجاعة وتمسّكا بالقرار الحكومي، ما أزعج “الحزب” أكثر فأكثر.

من جهته، يظهر خطاب “الحزب” المعلن متشبّثًا بالسلاح “مهما كان الثمن”، بصرف النظر عمّا يدور في الكواليس من مفاوضات يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري. وإذا أخذنا هذا الخطاب على محمل الجد، فهذا يعني أنّ المواجهة مع الجيش اللبناني، المكلّف من مجلس الوزراء إعداد خطة لسحب هذا السلاح بين أيلول 2025 ونهاية العام نفسه، ستصبح حتميّة. مع العلم أنّ بعض المصادر تتحدث عن احتمال طلب الجيش مهلة أطول لإعداد الخطة، قد يستجيب لها مجلس الوزراء.

لكن يبقى السؤال الجوهري: مَن يهدّد “الحزب” بحرب أهلية؟

في لبنان لا يملك السلاح إلا جهتان: الجيش اللبناني و”حزب الله”، وإذا قررت الحكومة تنفيذ خطتها، فإن الجيش هو الجهة التي ستتولاها، ما يفرض تنسيقًا هادئًا مع “الحزب” لتفادي أي توتّر أو صدام يهدد الاستقرار.

أمّا إذا رفض “الحزب” التعاون، وصدر قرار بتنفيذ الخطة بالقوة، فسيكون في موقع المتمرّد على الشرعية، شبيهًا بتمرّد العماد ميشال عون وألويته العسكرية العام 1990، والنتيجة معروفة. وقد يلجأ “الحزب” إلى استعراض شبيه بأحداث 7 أيار 2008 ضد المسيحيين والسنّة، الذين أصبحوا جميعهم ضد احتفاظه بالسلاح، لكن هؤلاء غير مسلحين، ولن يسمح الجيش بالاعتداء عليهم، فالظروف التي كانت قائمة العام 2008 لم تعد موجودة اليوم، والسلم الأهلي خط أحمر، ما يعني أنّ أي صدام سيضع “الحزب” في مواجهة الجيش نفسه.

يحاول “الحزب” تصوير قرار الحكومة وكأنه موجّه ضد الشعب أو ضد الطائفة الشيعية، وهي ذريعة باطلة. فالقرار يستهدف سلاح “الحزب” الذي ألحق الضرر بالطائفة الشيعية قبل غيرها، في حين إنّ أكثرية اللبنانيين ترفض السلاح ولا تريد الحرب.

أي محاولة من “الحزب” والرئيس بري لتمييع القرار أو الالتفاف عليه عبر شعارات ومصطلحات مخادعة، لن تنجح، لأن أركان الدولة والوزراء مصمّمون على إنهاء هذه المسألة الوطنية، وهي مطلب لبناني خالص لا علاقة له بالأميركيين أو الإسرائيليين، إذ لا يمكن لدولة أن تحتضن جيشين وسلاحين من دون أن تفقد سيادتها وهيبتها.

صحيح أنّ المجتمع الدولي يطالب أيضًا بنزع سلاح “الحزب” لما يشكّله من خطر إقليمي خدمةً للنظام الإيراني، لكنّ عدم تحرك الدولة اللبنانية سيعطي إسرائيل الذريعة لاستكمال الحرب، ما سيجعل لبنان ـ بدولته وشعبه ولا سيما الطائفة الشيعية ـ كبش محرقة لقرار إيراني لا يخدم المصلحة اللبنانية.

أما تهديد “الحزب” بانقسام الجيش إذا واجهه، فمجرد وهم؛ قد تحدث حالات فرار فردية، لكنّ غالبية عناصر الجيش ـ حتى من أبناء الطائفة الشيعية ـ لن تتخلى عن المؤسسة العسكرية التي تؤمِّن لهم معيشتهم وضماناتهم الاجتماعية، خصوصًا بعدما بات واضحًا أنّ “الحزب” يسير نحو الانهيار بفعل تراجع الدعم المالي الإيراني. هؤلاء يخدمون في جيش عقيدته وطنية لا مذهبية، وما جرى عشية حرب الـ1975 لن يتكرر في الـ2025.

أقصى ما يمكن أن يفعله “الحزب” إذا شعر أن الأمور تتجه إلى الحسم، هو استخدام الشارع لخلق الفوضى أو استقالة وزرائه من الحكومة، لكن ذلك سيزيد عزله ويستفز شارعًا أوسع يريد الخلاص من سلاح يخدم إيران ولا يخدم لبنان.

المخرج السليم يكمن في الورقة التي قدّمها الموفد الأميركي، توم براك، والتي تنص على تزامن تسليم سلاح “الحزب” مع انسحاب إسرائيل وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، ما يضمن إنهاء الاحتلال وبدء نهوض الدولة وجذب الاستثمارات. وما عدا ذلك انتحار سياسي ووطني.

تشير المعلومات إلى أنّ خطة الجيش لن تتحدث صراحة عن “نزع سلاح الحزب” لتفادي الاستفزاز، بل ستكون تقنية تقوم على جمع السلاح الثقيل والمتوسط، بالتفاهم مع “الحزب” وتسليمه سلميًا. لكنّ هذا يتطلب مرونة غير متوفرة حتى الآن. وإذا رفض “الحزب”، سيضطر الجيش إلى تنفيذ الخطة بأسلوب سلمي، مع الاحتفاظ بحق الدفاع عن نفسه وعن قرار الحكومة إذا تعرض لإطلاق نار. كذلك ليس مستبعدًا أن يترافق تجديد ولاية اليونيفيل مع تعديل دورها لمساندة الجيش عند الحاجة. وإذا أقدمت إسرائيل على انسحاب جزئي من إحدى النقاط الخمس المتنازع عليها، فسيمنح ذلك دفعًا قويًا للدولة اللبنانية، خصوصًا إذا نجحت الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس في إقناع بيروت وتل أبيب ببدء المفاوضات الدبلوماسية حول الحدود وتفعيل اتفاق الهدنة.

لبنان اليوم أمام مفترق تاريخي: فإما أن يثبت قدرته على بسط سيادة الدولة الكاملة، وإما أن يعيد نفسه إلى دوامة صراعات مدمّرة عاشها لعقود.

خبر عاجل