صحيفة النهار – علي حمادة
في الأيام العشرة الأخيرة من شهر آب الحالي، ستتزاحم الاستحقاقات في لبنان، لكن استحقاقا كبيرا لا يمكن تجاوزه بسهولة. فالأسبوع المقبل سيشهد في نيويورك التوصل إلى اتفاق بين أعضاء مجلس لأمن للتجديد لقوة “اليونيفيل” لعام إضافي يكون للمرة الأخيرة. ومحتمل جدا تعديل الصلاحيات المنوطة بالقوة، بهدف منحها زخما قانونيا أكبر لتنفيذ مهماتها التي تتركز في الأساس على جعل منطقة عملياتها منزوعة السلاح والمسلحين. وإذا رفض لبنان مبدأ توسيع نطاق الصلاحيات لكي يشمل الحق في القيام بعمليات تفتيش مباغتة، ودهم لمخابئ سلاح، وتوقيف مسلحين، كل ذلك من دون العودة إلى الحكومة اللبنانية أو الجيش، فإن خطر إنهاء مهمة “اليونيفيل” سيرتفع كثيرا لأن الولايات المتحدة لا تؤمن أساسا بنجاعة مهمتها، بل إنها تعتبر أن تلك القوة فشلت في أداء مهمتها الأصلية أقله بين عامي ٢٠٠٦ و٢٠٢٣. ففي تلك الفترة تمكن “الحزب” من تحويل منطقة عمليات القوة الدولية إلى “غيتو” خاص بقواته العسكرية، وتم زرع المنطقة بمخابئ للسلاح وبنى تحتية عسكرية، كما حفرت الأنفاق العسكرية في كل مكان، إلى درجة دفعت المراقبين إلى التساؤل عما كانت تفعله “اليونيفيل” في هذه المنطقة!
ومن الناحية العملية، وبمعزل عن موقف إسرائيل المناوئ للقوة الدولية في الجنوب اللبناني، يجب أن يطرح السؤال على الجهات التي رعت وجود “اليونيفيل” طوال عقدين من الزمن، وكانت غطاء للفشل الذريع الذي منيت به مهمتها. يطرح السؤال على سبيل المثال على الجهة الفرنسية قبل غيرها. لكن تقصير القوة الدولية لا يعفي الجيش اللبناني من مسؤولية التقصير طوال المدة المنصرمة، وبالتأكيد لا يعفي مختلف الحكومات التي تواطأت مدى الأعوام الماضية مع الحزب لكي يبني قدرات عسكرية هائلة في الجنوب، فتحت المجال أمامه لكي يغامر بلبنان عبر التورط في “حرب الإسناد” وتوريط البلاد بأسرها عنوة. ومن هنا فإن التجديد التلقائي لـ”اليونيفيل” هذا العام لن يكون نزهة، باعتبار أنها تتحمل مسؤولية كبيرة لما أضحت عليه منطقة عملياتها ومسوؤلياتها المثبتة بالـ ١٧٠١. وكل تقصير إضافي، أكان من الدولة اللبنانية أم قواها المسلحة في فرض سيادة الدول في الجنوب، سيؤخر عودة النازحين، ويطيل عمر الأرض المحروقة بقراها وبلدتها التي تكاد تتحول إلى مناطق عازلة. وبالفعل، بدأت إسرائيل، وإن في منطقة محدودة المساحة، باستحداث مناطق عازلة عند الحافة الأمامية. ماذا يعني هذا التطور؟ بكل بساطة، إن إسرائيل لن تنتظر الدولة ولا “اليونيفيل” إذا ما تم التجديد لها عاما إضافيا لتتحرك وتقوم بواجباتها لجهة تنظيف المنطقة من السلاح والمسلحين. وبالتالي نخشى أن تتحول الإجراءات الإسرائيلية من موقتة إلى طويلة الأمد فدائمة، في انتظار تحقيق تقدم ملموس لجهة إتمام تحويل المنطقة إلى منطقة منزوعة السلاح.
عمليا، يرفض “الحزب” نزع كل السلاح من جنوبي نهر الليطاني، لكنه يزعم أنه ينفذ تعهداته في هذا المجال. إنما المسؤولون اللبنانيون والجهات الدولية المعنية تعرف أن الحزب المذكور يكذب، ويواصل محاولة إعادة بناء قدراته العسكرية في منطقة جنوبي الليطاني.
في اختصار، أمام لبنان استحقاق مفصلي مرتبط بمصير “اليونيفيل”. ولم يعد أمام الدولة أي هامش للمناورة والتحايل على الالتزامات والتعهدات! حان وقت التنفيذ الأمين.
