
بعد استفحال وتوسع ممارسات الحرس الثوري في لبنان، أمهلت الحكومة التي كان يرأسها الرئيس الراحل شفيق الوزان إيران لسحب “الحرس” ومتطوعيها ثلاثة أيام في أواخر تشرين الثاني من العام 1983، لتقطع العلاقات الدبلوماسية بعد انقضائها مع إيران والتي دام انقطاعها حتى انقلاب 6 شباط من العام 1984، وتعود هذه “العلاقات” تحت ضغط سلاح المنقلبين.
ومن النماذج الماضية التي تضاف الى الحالية عن “استفحال وتوسع ممارسات الحرس” وتابعه اللبناني، نتوقف عند تاريخ 20 تموز من العام 1983، إذ أعلنت قيادة قوى الأمن الداخلي عن توقيف متهمين باستهداف رئيس الحكومة شفيق الوزان، صباح السابع من شهر تموز، أثناء مرور موكبه من منطقة الصنائع وعلى بعد أقل من مائة متر من القصر الحكومي.
يومها قالت الوكالة الوطنية بأنّه “اتضح من التحقيقات التي قامت بها القوى الأمنية بإشراف المدير العام لقوى الأمن الداخلي العميد عثمان عثمان، وبمشاركة دوريات من شرطة بيروت والشرطة القضائية ووحدة الدرك، أنّ المنفذ الأساسي في العملية والذي قام بتفخيخ السيارة، وربما تفجيرها أيضًا، هو ابراهيم عقيل من جماعة حسين الموسوي”، (النائب السابق للحزب والمستشار السياسي الحالي للأمين العام للحزب). وأشارت الوكالة الى “أنّ الاخير سبق واتهم بسلسلة حوادث اعتداء ضد القوى الأمنية وخصوصًا الجيش في منطقة بعلبك ـ الهرمل وغيرها”، وأضافت: “على الرغم من أنّ المتهم عقيل لا يزال فارًا، إلا أنّ قوى الأمن تمكنت من توقيف بعض شركائه الذين أدلوا باعترافات كاملة عن دورهم في العملية، والخطة التي رسمت لتنفيذها. وبلغ عدد هؤلاء الموقوفين خمسة أشخاص هم المتهمون المعنيون بمحاولة الاغتيال. وهناك موقوفون آخرون وجهت إليهم تهمة سرقة السيارة المفخخة بغرض بيعها”.
نتوقف أيضًا عند ما ذكرته صحيفة “السفير” في 3 أيلول من العام 1983، “زعماء الحزب، عباس الموسوي، نصرالله، ومحمد يزبك ترأسوا مسيرة حاشدة إلى ثكنة الجيش في بعلبك القاعدة الرئيسية للجيش ـ ثكنة الشيخ عبدالله ـ وعقدوا صلاة الجمعة هناك. وألقى حسن نصرالله كلمة دعا فيها قائد الثكنة ورجاله الى رفض الأوامر وإخلاء القاعدة… أخلى قائد الثكنة وضباطه الثكنة. وعلق عناصر الحزب لافتة على بوابة الثكنة كتب عليها: تحرير قاعدة الشيخ عبد الله عبر جماهير الحزب هو الخطوة الأولى نحو التحرّر من الكتائب”.
وقد أعيدت تسمية القاعدة على اسم الإمام علي وأصبحت المقر الرئيسي للحرس الثوري في لبنان ولميليشيا “الحزب”. تولّى الحرس الثوري تدريب مجندي “الحزب” تحت إشراف علي رضا العسكري، الذي قضى معظم أوقاته في إيران، لكنه أرسل مدربين في جميع جوانب مجالات القتال وأعمال التفجير وغيرها.
لقد أعاد الاداء الحالي المتخبط لكل من إيران الحرس الثوري وحزب الثورة الإيرانية في لبنان، الى الذاكرة، بدايات هذا “الحزب” مع ادبياتها العقائدية التكفيرية التخوينية وحتى التدميرية الإلغائية للداخل والشركاء، ولم ينجُ من تأثيرها الدموي شركاؤه من الطائفة الشيعية، كحركة أمل، ولا حلفاؤه المفترضين من الأحزاب “المقاومة الوطنية اللبنانية”، كالحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي وباقي الأحزاب العقائدية، التي كانت ضمن “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” جمول، والتي كان لها الفضل بـ”تحرير 80 بالمئة من الأراضي اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي”…
لم يلقَ من يحاول ترقيع وترميم ما جرّه “الحزب” على لبنان من ويلات وخسائر وهزائم، ومَن يحاول إنقاذ “الحزب” من ما جرّه هو على نفسه من تضعضع وتصدع وتزعزع، من هامة أمينه العام الى آخر مواطن في بيئة “الحزب” في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، الا مزيدًا من حملات التجنّي والتعدي والتهديدات بإعادة عقارب الـ2025 الى ما وراء الثمانينيات الآنفة الذكر، والـ2005 والـ2008، لتستعر هذه الحملات في اليومين الأخيرين على البطريرك مار بشارة بطرس الراعي لا لشيء الا لتذكيره ومن شاشة “العربية”، بما يكرره اللبنانيون جميعًا من توق الى سيادة دولة خارجيًا وداخليًا، وشوق الى هيبة وحصرية السلاح بيد السلطات الشرعية وحدها، وبما ذكره وكرره من سبقه على الشاشة نفسها في الأيام القليلة التي سبقت، من رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، ورئيس التيار الوطني الحر، ورئيس القوات اللبنانية، ونائب رئيس الحكومة وغيرهم… والذين أجمعوا على أن لعبة السلاح قد انتهت وحان وقت حصريته في يد الدولة مهما علت الصيحات من المنبوذين في الخارج والقلة القليلة في الداخل.
ولأن اليائس البائس من واقع الحال، كحالة “الحزب”، غالبًا ما يتذكر الماضي الذي يعتبره أمجادًا ويحن إليها، من دون أي تطلع الى الحاضر أو حلم بالمستقبل، مستفيدًا من دروس هذا الماضي، يقوم “الحزب” بالاستنسابية والتحيّز في حملاته، إذ يركز كما رأينا على البطريرك الراعي، الذي قال أكثر منه رئيس “التيار الوطني الحر”، من دون أن يرميه قياديو “الحزب” وإعلاميوه بوردة، تمامًا كما في التلويح باستعادة لتجربتي السابع من تموز من العام 1983 مع الرئيس الراحل شفيق الوزان و14 شباط من العام 2005 مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لتستعر الحملات على رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام الذي لا يردد إلا ما وافقت عليه حكومة “الحزب” في 27 تشرين الثاني من العام 2024 وبأقل بكثير من ما ورد في البيان الوزاري الموقع بثقة “الحزب” ومن ما يقوله رئيس الجمهورية من خطاب القسم، وصولًا الى المقابلة الأخيرة مع قناة “العربية”.
من كل ما تقدّم، ها إن “الحزب” ينحو الى تأكيد حقيقة ما حاول لعقود مرّت، طمسها أو تمويهها أو حتى تجميلها، والتي تقول إنه فصيل أمني للحرس الثوري الإيراني يمتهن التهديد والخطف فالابتزاز والتهريب، وعلى طريقة الفن للفن يحترف حمل السلاح دفاعًا عن السلاح.
…ولكن ما كُتب قد كُتب.
.jpg)