صحيفة النهار – روزانا بومنصف
على رغم تراجع استعراض القوة الذي قدمه “الحزب” مدى أسبوع أو أكثر عبر مسيّرات للدراجات النارية في مناطق نفوذه، ولا سيما في الضاحية الجنوبية، فإن خطابه الإعلامي والسياسي لم يتراجع، بل تواصل عبر استهداف المملكة العربية السعودية أو الاتهامات بالتخوين والعمالة، ليس لخصومه السياسيين فحسب بل لكل من رئيس الحكومة نواف سلام في شكل أساسي ورئيس الجمهورية بدرجة أقل.
واستعادة الحزب أدبيات وأساليب من زمن يفترض أنه ولّى بتغير المعادلات السياسية في المنطقة وفي لبنان، تفيد أنه لا يزال يقرأ في الكتاب نفسه. وساعده في ذلك دخول إيران على الخط دعما لرفضه قرارات الدولة اللبنانية واحتفاظا بقدرتها على توظيف ورقة الحزب في مفاوضاتها أو حساباتها في المنطقة، نقضا للتقديمات التي جزمت بضعف إيران وانتهاء أذرعها أو امتداداتها الإقليمية.
في مضمون كلمة الموفد الأميركي توم براك، ركز على التوجه بالطمأنة إلى الطائفة الشيعية في خطاب مرن وهادىء أعقبته إشادة متجددة برئيس مجلس النواب نبيه بري بعد لقائه معه، فيما أخذ جانب لبنان على نحو غير متوقع بالإشادة بخطوة حصر السلاح وتأكيده أن المرحلة التالية هي في مرمى إسرائيل للتقدم بخطوة في مقابل الخطوة اللبنانية.
هل أثارت إيران والحزب المخاوف من تفجير لبنان ربطا بما أعلنه مسؤولون إيرانيون لا يهمهم حكما ما قد يصيب لبنان واللبنانيين، وربطا بما أعلنه الأمين العام للحزب نعيم قاسم؟
يُنقل عن مصادر ديبلوماسية تخوفها ليس من حرب أهلية هدد بها الحزب، نظرا إلى الاعتقاد أنه سيكون خاسرا أكبر وانتحاريا بحيث لن يقدم مكاسب له أو لإيران بل ينهيها كليا، إنما من عرقلة واضطراب في الداخل لا يزال الحزب قادرا عليهما، ويعمل لتظهير ذلك بقوة من خلال تصنيف اللبنانيين أو تخوينهم أو رسم الأطر لما هو مقبول وما لا يمكن القبول به. وهذا في ذاته مقلق للخارج بمن فيهم الأميركيون الذين يهتمون باستقرار لبنان، ولكن يهمهم أكثر أمن إسرائيل وأن تكون مرتاحة إلى ما حققته ولن ترغب في المزيد من تنفيذ وقف النار والقرار 1701. فقد يخفت أو يتراجع الاهتمام الأميركي سريعا، ولا سيما في ضوء جملة إغراءات وعوامل يُعتقد أن إيران ومعها الحزب ليسا بعيدين عن لعبها. وهذا يطاول السعي إلى إحياء الالتزام الذي اعتمده الحزب بعد حرب 2006 إزاء تهدئته الوضع في الجنوب كليا على الحدود مع إسرائيل، على رغم تعزيز ترسانته فيها، بحيث لم يخل بهذه التهدئة التي استمرت حتى عملية “طوفان الأقصى” وإطلاق “حرب الإسناد” لمصلحة حركة “ح” في غزة.
وتغير الواقع جنوبا قد يفرض عليه تعديلا من حيث التزامه سحب أسلحته كليا من جنوب الليطاني، بما يضمن لإسرائيل ما تريده لقاء غض النظر الأميركي والإسرائيلي عن سلاحه في المناطق الأخرى. كذلك يطاول محاولة إيران توظيف عدم ارتياح إسرائيل إلى الراديكالية الجديدة في سوريا من خلال محاولة الاستفادة من شعور أميركي مماثل برز على أثر هجمات القاعدة في 11 أيلول/سبتمبر، والنقمة على الدول ذات الغالبية السنية، ما سمح لإيران الاستفادة إلى الأقصى من التفهم الأميركي.
ومعلوم أن مراقبين يشككون في نجاح هذا المسعى على خلفية التأثير السعودي لدى الإدارة الأميركية الحالية التي اقتنعت بإعطاء دور وفرصة للنظام السوري الذي يشيع “الحزب” المخاوف منه، كمبرر من أجل الاحتفاظ بسلاحه. ويضيف البعض إلى ذلك سعي إيران المرجح إلى إغراء الولايات المتحدة بالعودة إلى استئناف المفاوضات حول الملف النووي بناء على الجدل المحتدم في الداخل الايراني، إنما في مقابل ترك نفوذ إقليمي مؤثر لإيران بديلا من صفر تخصيب على الأراضي الإيرانية. ويعتقد البعض أنه تم رصد أصداء تسريبات على غرار المطالب للقوى الإصلاحية في إيران في هذا الاتجاه. وتاليا، فإن الرسالة من هذا وذاك أن الدفع الاميركي بقوة والضغط على لبنان من أجل إنهاء سلاح “الحزب” في مدة زمنية محدودة قد يؤدي إلى “كسر” لبنان، فيما سلطته لا تزال هشة وبدأت تستعيد المؤسسات والقرار المستقل إلى حد ما.
هذا لا يمنع من السعي إلى أثمان يدفع بها الثنائي الشيعي، إذا ثبت أن المسار ثابت حول حصرية السلاح. وعلى ذمة البعض، هناك تداول بين بري والأميركيين على ثمن دستوري للطائفة الشيعية يزيد طمأنتها، فيما لوحظ إبقاء القديم على قدمه في تكليف مجالس أو هيئات محسوبة على الثنائي في الاستعدادات لإعادة الإعمار، الأمر الذي كانت ترددت استحالته على طريق إنهاء عهود الفساد والمحسوبيات.