Site icon Lebanese Forces Official Website

هرطقة السلاح وقداسة الدولة

إنّ كلام المفتي أحمد قبلان في دفاعه عن سلاح الثنائي الشيعي لا يمكن وضعه في إطار ديني أو وطني، بل في خانة توظيف الدين لتبرير مشروع عسكري ـ سياسي يعلو على الدولة والدستور. فالقول إن سلاح “الحزب” وحركة أمل هو “سلاح الله”، ليس تعبيرًا عن عقيدة إيمانية، بل هرطقة فكرية ودينية تسقط عند أول قراءة لجوهر الرسالات السماوية، التي لم تجعل من الحديد صنمًا، ولا من البندقية بديلاً عن العدالة والحرية والقانون.

لقد ذهب بعيدًا حين منح السلاح قدسية وهمية، كأنّه الركن السادس من أركان الدين، فيما الحقيقة أنّه أداة لفرض مشروع طائفي على وطن منهك. هكذا يتحوّل السلاح إلى صنم يُعبد، بعيدًا عن كل الرسالات السماوية التي وضعت الإنسان وكرامته فوق أي سلاح، والتي جعلت من الدولة العادلة مرجعًا وحيدًا لحماية المجتمع. وما يقوله هذا الخطاب يضع السلاح في موقع يعلو على الإنسان، بينما جوهر كل الأديان أن الإنسان هو القيمة العليا، وأن السلاح لا يكون إلا وسيلة لحماية العدل، لا مشروعًا بحد ذاته.

واللافت أن صاحب هذه المواقف يكرّر قداسة جماعته ونصرتها للمظلوم، فيما المظلوم الحقيقي هو الشعب اللبناني الذي زُجّ في حروب لم يخترها، ودفع ثمنها دمارًا اقتصاديًا وعقوبات خانقة خدمةً لأجندة إيران. وإذا كان يرى في هذا السلاح “قداسة”، فهذه القداسة المزعومة لم تجلب سوى احتلال اسرائيلي وحصار وفقر وانهيار مالي غير مسبوق. وهنا يظهر التناقض الأكبر: من يدّعي الدفاع عن المظلوم، هو نفسه من حوّل شعبه إلى أكبر مظلوم في المنطقة.

المقاومة الحقيقية تحمي الوطن، لكنها حين تتحوّل إلى مشروع طائفي يفرض الحرب على الناس ويدمّر اقتصادهم، تصبح الوجه الآخر للعدوان. هكذا يصبح الثنائي الشيعي ظالمًا بقدر ما هو الاحتلال الإسرائيلي ظالم، لأن الاثنين معًا دمّرا أمن اللبنانيين واستقرارهم.

إنّ ربط السلاح بالله هو محاولة خبيثة لإغلاق النقاش وإسكات أي صوت سيادي، عبر تخويف اللبنانيين من مواجهة مشروع الدويلة. لكنّ هذا الربط يكشف العكس تمامًا: يكشف الإفلاس السياسي والأخلاقي، ويُظهر إلى أي حد أصبح السلاح عبئًا يحتاج إلى قداسة مصطنعة ليبقى. وهذا ما يفسّر لماذا يختبئ هذا الخطاب خلف شعار مواجهة إسرائيل، وكأنّ مواجهة العدو تمنح شرعية لعدوّ داخلي يصادر الدولة. فالعدوان الخارجي لا يبرر استبدادًا داخليًا، بل يفرض وحدة اللبنانيين تحت راية الدولة لا تحت راية ميليشيا.

المشكلة ليست بين طوائف أو كنيسة ومسجد كما يُراد الإيحاء، بل بين مشروع دولة يريدها اللبنانيون جميعًا، ومشروع دويلة يصرّ عليها الثنائي الشيعي. فالدولة لا تقوم على قداسة السلاح، بل على قداسة الدستور والعدالة، وهي وحدها الإطار الذي يحفظ التنوع اللبناني ويؤمّن العدالة بين الطوائف.

وما قاله البطريرك الراعي عن حصرية السلاح بيد الدولة هو التعبير الأصدق عن مطلب اللبنانيين بمختلف طوائفهم، لأن حماية الوطن لا تكون إلا عبر مؤسسات شرعية لا عبر ميليشيات. أما قداسة السلاح فهي إلغاء للتنوع وتحويل الوطن إلى غلبة طائفية، ما يعني نسف الفكرة التي قام عليها لبنان كدولة عقد وشراكة.

وحين يجوع اللبناني وتُسحق عملته ويُحاصر اقتصاده، فهذا ظلم لا يقل قسوة عن العدوان الخارجي، بل هو ظلم مضاعف لأن من يمارسه يدّعي القداسة والمقاومة. وهنا تتكشف المفارقة الأخطر: من يدّعي حماية لبنان، هو نفسه من يدمّر حياة اللبنانيين اليومية وحقهم في العيش الكريم.

إنّ هذه الهرطقة تفضح طبيعة المشروع الذي تمثّله المرجعية المدافعة عن السلاح: مشروع يحوّل البندقية إلى إله صغير فوق الدولة، ويحوّل الطائفة إلى رهينة، فيما يبقى اللبنانيون جميعًا الضحايا الحقيقيين. أما السيادة الوطنية فتبقى في أن يكون السلاح بيد الجيش وحده، لأن الدولة هي “المقدّس” الوحيد الذي يجمع اللبنانيين، وكل ما عداها محاولة مفضوحة لجرّ لبنان إلى منطق الفوضى المسلحة.

الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: إنّ إسرائيل التي اعتدت علينا بالسلاح، والثنائي الشيعي الذي صادر الدولة بسلاحه، وجهان لظلم واحد. الأول يدمّر أرضنا من الخارج، والثاني يخنق وطننا من الداخل، والنتيجة واحدة: شعب محاصر بين عدو خارجي يعتدي ودويلة داخلية تستبد، وبين ميليشيا تدّعي القداسة وهي أبعد ما تكون عنها. ومن يربط السلاح بالله يرتكب هرطقة دينية وخيانة وطنية معًا، لأن الله قدّس الإنسان والحرية والدولة العادلة، لا صنم السلاح.

Exit mobile version