
منذ نشأة الدولة السورية، إلى الأمس القريب، لم تعترف أي حكومة سورية بسيادة لبنان واستقلاله، لكن الموقف الصارخ الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع بالأمس، يبدو أنه قطع مع المرحلة السابقة إلى غير رجعة. فصحيح أن نظام الأسد تغوَّل في عدم الاعتراف باستقلال لبنان وبسيادته، إلى حدِّ أن الخريطة السورية التي كان يدرّسها لطلاب المدارس في سوريا كانت تشير إلى أنه، “يحدّ سوريا من الغرب، البحر الأبيض المتوسط”، من دون وجود لبنان على الخريطة من أساسها، إنما عدم الاعتراف بوجود لبنان كوطن وكدولة سابق لنظام الأسد المخلوع. لكن هذا النهج السوري الممتد تجاه لبنان، يبدو أنه إلى تحوّل جذري مع أحمد الشرع اليوم.
موقف أحمد الشرع بالأمس، قلب الصورة جذرياً، ولا شك ستكون له تردداته وانعكاساته على طبيعة العلاقات بين لبنان وسوريا من اليوم فصاعداً. الصفحة التي فتحها أحمد الشرع مع لبنان بالأمس، بكلمات واضحة ومباشرة، هي من طبيعة مفصلية في تاريخ العلاقات بين الدولة اللبنانية والدولة السورية، إذ شدد “على ضرورة أن تقوم العلاقة بين سوريا ولبنان على قاعدة “دولة إلى دولة”، انطلاقًا من المصالح الاقتصادية المشتركة والاستقرار، بعيداً عن أي استقطاب مذهبي أو سياسي”.
كما اعتبر الشرع، أن الاستثمار السوري السابق في هذه الانقسامات كان “خطأً كبيراً بحق البلدين ولا يجب أن يتكرر”، موضحاً أنه تنازل عن الجراح التي سبّبها “الحزب” لسوريا بعد تحرير دمشق، ومشيراً إلى أن بلاده لا تسعى لتصفية حسابات داخل لبنان ولا للظهور كتهديد وجودي، بل إلى علاقة متوازنة تعيد كتابة تاريخ جديد للعلاقات اللبنانية – السورية وتحرّر الذاكرة من إرث الماضي”، وأن سوريا كما يراها اليوم تمثل “فرصة كبيرة للبنان”، داعيًا إلى الاستفادة من نهضتها المقبلة، ومحذّراً من أن أي تقاعس لبناني في ذلك سيكون “خسارة كبيرة”.
وفق الكاتب السياسي أحمد الأيوبي، “الرئيس السوري أحمد الشرع، وجَّه ضربة قاصمة لكل سردية “الحزب” حول ما حاول أن يخلقه من “بعبع”، ليخيف الشيعة في لبنان على الحدود الشرقية مع سوريا. هذا من الناحية اللبنانية، لكن ثمة ما هو أهم”.
يضيف الأيوبي، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني: “ما هو أهم، هو أن أحمد الشرع بموقفه الذي أعلنه بالأمس، أنهى الصراع المذهبي في المنطقة. أنهى الصراع الذي بدأته إيران ضد السنة، عملياً، في المنطقة العربية، ووقف وقفة تاريخية ليقول، كما قال ربما صلاح الدين الأيوبي في الحروب الفرنجية حيث عفا، كما عفا أيضاً عن السوريين بشكل عام “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. الشرع اليوم يُنهي الحرب التي بدأتها إيران على العرب، حرب شيعية على السنة في الشكل، إنما طبعاً هي حرب حملت الجانب الفارسي العميق ضد العرب والدول العربية”.
يتابع: “هذا هو الإعلان الكبير الذي أعلنه أحمد الشرع، الإعلان على مستوى الأمة العربية والإسلامية كلها، وبالتوقيت حيث يجري وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي محادثات مع المسؤولين السعوديين في جدة. هنا يُطرح السؤال، أين “الحزب” بسرديته المذهبية المقيتة التي ما يزال غارقاً فيها، حتى من السياسة الإيرانية المصالِحة والمنفتحة على السعودية؟!”.
الأيوبي يلفت، إلى “كلام المسؤول في “الحزب” الشيخ فيصل شكر في أحد مجالس العزاء في الهرمل، وهو يقول (لم تعد مشكلتنا مع الذين صلبوا المسيح، وإنما مشكلتنا مع الذين قتلوا الحسين)، ففي الوقت الذي يقول فيه أحمد الشرع انتهت الحرب المذهبية، لا يزال “الحزب” يقول مشكلتنا مع الذين قتلوا الحسين!، بالتالي، “الحزب” ما يزال غارقاً في مكان خطير”.
الأيوبي يعتبر، أن “أحمد الشرع مدَّ سُلَّم النجاة لـ”الحزب”في لبنان بأن يخرج من المرحلة السابقة، بعدما أعلن بأن سوريا لن تواصل الحرب المذهبية، وبتقييمه لها بأنها كانت سيئة جداً واستُعملت في لبنان بهذا الشكل. بالتالي، نحن أمام إعلان كبير هو إنهاء الحرب المذهبية، من طرف يُعتبر أنه يمثل جزءاً كبيراً من السنة وكان على رأس الحرب، لأن أحمد الشرع كسر إيران في سوريا باسم السنة وباسم العرب. والدليل على ذلك، هذا الاحتضان وهذا الإقبال الكبير من السنة ومن العرب على سوريا الجديدة بقيادة أحمد الشرع، لأنه أخرج إيران من سوريا وأراحها والعالم العربي من الكابوس الإيراني”.
الإعلان الثاني المهم، بحسب الأيوبي، هو “تأكيد الشرع اعتراف سوريا باستقلال لبنان، وقراره بأنه يريد علاقات طبيعية من دولة إلى دولة بعيداً عن المرحلة السابقة، وعن رغبته ودعوته لبنان للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، وأن هناك دوراً محفوظاً للبنان على هذا الصعيد”.
“بالتالي، على لبنان التقاط هذه الفرصة التاريخية لبناء علاقات سليمة ومستقيمة وسوية مع سوريا، من دولة إلى دولة، وفق ما أكد الرئيس السوري أحمد الشرع. ومن هنا، واستناداً إلى ما أعلنه الشرع، كل سرديات “الحزب” وحججه وذرائعه وتهويله بالخطر المحدق على الحدود الشرقية مع سوريا لعدم تسليم سلاحه، سقطت بالضربة القاصمة التي وجَّهها أحمد الشرع لكل هذه الحجج”، يختم الأيوبي.
