#dfp #adsense

خاص ـ هيبة الدولة في مواجهة إنقلاب “الميليشيا”!

حجم الخط

الدولة

أقدمت الحكومة اللبنانية في جلستها بتاريخ 5 آب الجاري على خطوة تاريخية وُصِفت بأنها الأكثر جرأة منذ العام 2005، حين أصدرت قراراً يقضي بحصر السلاح بيد الدولة وتجريد “الحزب” من ترسانته خلال مهلة تنتهي مع نهاية العام الحالي، ما أفقد “الحزب” المشروعية التي تباهى بها طوال أربعة عقود. وقد حظيت هذه الخطوة بإشادة غالبية الشعب اللبناني ودعم المجتمع الدولي الذي شجّع الحكومة على المضي في تنفيذ القرار.

ولا شك أن هذا القرار، الذي لم يُستكمل بعد بانتظار إنجاز الجيش اللبناني خطته العملية لجمع السلاح غير الشرعي، أفقد “الحزب” صوابه، بدليل الخطابات الانفعالية التي يُلقيها الأمين العام للحزب نعيم قاسم والمليئة بالتناقضات. وقد بات واضحاً أن “الحزب” قرّر مواجهة الحكومة حتى النهاية بدعم مباشر من إيران. ففي خطابه الأخير، بدا قاسم عدائياً ومهدّداً للحكومة، واصفاً إياها بأبشع الأوصاف: “إسرائيلية”، خاضعة للإملاءات الأميركية، عاجزة… إلى آخر سيل الانتقادات اللاذعة، بما يعكس بدء “الحزب” انقلاباً صريحاً على الحكومة وما حققته حتى اليوم، ومحاولته إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ودفعها للتراجع عن قرارها عبر الضغط في الشارع وتهديدها بالحرب الأهلية والصدام مع الجيش اللبناني.

صحيح أنّ موقف “الحزب” سيُصعّب مهمة الحكومة، لكنه لن يفلح في منع ترجمة القرار على أرض الواقع، لأن التراجع عنه سيقوّض “هيبة الدولة” بعدما استعادت بعض حضورها بفضل مواقف رئيسَي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام. ويعتقد “الحزب” أن أسلوبه التقليدي القائم على التخويف من حرب داخلية، سيكبح الحكومة عن استرداد قرارها السيادي، مروّجاً في بيئته الأكاذيب الديماغوجية ذاتها عن تنفيذ إملاءات أميركية وإسرائيلية، لكنّ هذه المزاعم لم تعد تقنع اللبنانيين في هذا العصر. وما يغيب عن قيادة “الحزب” أن أكثرية الشعب اللبناني، بكل طوائفه ومشاربه، تؤيد هذا القرار، في ظل دعم دولي غير مسبوق، وخصوصاً من الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من خسارة “الحزب” الحرب الأخيرة وقراءته الاستراتيجية الخاطئة التي أدّت إلى نكبة كبيرة له وخسائر لا تُحصى في بيئته، لا يزال يتمادى في ارتكاب الأخطاء. فقد كان من الأجدى له مقاربة الورقة التي طرحها الدبلوماسي الأميركي توم برّاك بانفتاح، إذ تضمّنت مبدأ “خطوة مقابل خطوة” الذي يحفظ كرامة “الحزب”، بل كان بإمكانه تحويلها إلى انتصار معنوي بالقول إن تسليم السلاح أفضى إلى تحرير الجنوب من الجيش الإسرائيلي. غير أنّ تبعيّته لإيران تدفعه إلى الانتحار السياسي، فالحزب يتصرّف اليوم وكأنه مطلوب للعدالة ويتمرد على الشرعية، ومصير كل متمرد على الدولة معروف منذ فجر التاريخ: لا مفر من تسليم السلاح أياً تكن السيناريوهات المقبلة.

أما تهويل “الحزب” بحرب “كربلائية” أو أهلية، فليس سوى كلام أجوف، إذ لا يملك أي فريق سياسي آخر السلاح، ما يعني أن “الحزب” إنما يهدّد بمواجهة الجيش اللبناني تحديداً. هنا، سيجد نفسه، مهما بلغت قوته، محاصراً من جميع القوى السياسية، حتى الحليفة منها، التي ستقف خلف الجيش وتدعمه، إضافة إلى آلاف الشبان اللبنانيين المستعدين للتطوع لإنهاء كابوس السلاح غير الشرعي الذي يشلّ الدولة ويعيق تقدمها وازدهارها.

على خط الجنوب، تراقب إسرائيل التطورات السياسية في لبنان من دون أن توقف عملياتها العسكرية ضد “الحزب”، وليس سراً أنها تنتظر أن تنجح الحكومة اللبنانية في نزع سلاحه سلمياً، وإلا فليس مستبعداً أن تُكمل ما بدأته في 8 تشرين الأول 2023 عبر عملية عسكرية ضخمة شبيهة بما تخطّط له في غزة. فالولايات المتحدة وإسرائيل أنفقتا مليارات الدولارات لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، تحجيم النظام الإيراني، وإنهاء أذرعه العسكرية المزعزعة للاستقرار، ولن تتراجعا الآن عن مشروع بدأ في غزة ولن ينتهي قبل اليمن.

الهدف واضح: وضع الدول العربية على سكة السلام مع إسرائيل. أما لبنان، فليس في وارد التطبيع أو عقد سلام مع إسرائيل، بل أقصى ما يمكن تحقيقه هو ترتيبات أمنية لضبط الحدود والعودة إلى اتفاق الهدنة، وهو أمر يستحيل مع سلاح يخضع للقرار الإيراني ويُستعمل لتحقيق مصالح طهران. هذا السلاح لم يردع إسرائيل يوماً، ولا وظيفة وطنية له، بل وظيفة حزبية بحتة. لذا يبقى الشعار فارغاً: لا حماية فعلية ولا ردع حقيقي. بل إن استغلال “الحزب” لسلاحه في فرض الفوضى، جرّ لبنان إلى الانهيار المالي والعزلة العربية والدولية.

يحاول “الحزب” تصوير الخلاف حول سلاحه كمعركة وجودية، فيما هو في جوهره خلاف سياسي حول مجموعة مسلحة، لا حول طائفة بعينها، لأن “الحزب” يمثّل إيران لا الطائفة الشيعية الكريمة. لذا لا يجوز للحكومة أن تضعف أمام تهويله وتهديداته.

لن تكون الحكومة وحيدة في هذه المواجهة، إذ إن القوى السيادية، وفي طليعتها “القوات اللبنانية” بما تمثّله شعبياً ورسمياً، ستقف في وجه الانقلاب الذي يحاول “الحزب” تنفيذه لتحويل لبنان إلى كيان معلّق، بين حكومة عاجزة عن تطبيق قرارها وحزب يفرض نفسه بديلاً عن الشرعية.

هيبة الدولة خط أحمر، ومهما ارتفعت نبرة تهديدات نعيم قاسم أو اشتدت وقاحة التصريحات الإيرانية، فإن لبنان قد يمرّ في مرحلة عدم استقرار هذا الخريف، لكن النتيجة محسومة لمصلحة الدولة، و”ما بصحّ إلا الصحيح”.

خبر عاجل