#adsense

شهادتهم صنعت دولة

حجم الخط

لبنان ـ الدولة اللبنانية

هناك لحظة في حياة الشعوب يتجاوز فيها الموت معناه الطبيعي، ليصبح فعل ولادة جديدة. لحظة يُدرك فيها إنسان أنه بموته الحرّ الواعي يكتب معنى أبعد من جسده، ويزرع في ضمير جماعته بذرةً لا تزول. هذه هي الشهادة: ليست نهاية حياة، بل بداية معنى، لأن الشهيد يحرّر نفسه من حدود الزمن ليبقى حاضرًا في وجدان وطنه إلى الأبد. شهداء المقاومة اللبنانية جسّدوا هذا المعنى بعمق. لم يغادرونا، بل صاروا معيارًا نقيس به كل خيار سياسي وكل موقف وطني. دماؤهم أكدت أن لبنان ليس ساحة ولا غنيمة، ولا صفقة ولا فئة، بل وطن نهائي لجميع أبنائه.

رفاقنا لم يستشهدوا دفاعًا عن حزب أو زعيم، بل عن وجود الدولة نفسها. كانوا يعرفون أن لا حرية بلا مؤسسات، ولا كرامة بلا سيادة، ولا وطن بلا عدالة. لذلك قدّموا حياتهم حجارة أساس في صرح الدولة. في زمن كانت فيه الفوضى قانونًا والسلاح هويةً، رفعوا فكرة الدولة عندما كانت غائبة.

لقد خاضوا أشرس المعارك في أصعب الظروف، لكن عيونهم كانت على لبنان المؤسسات، لبنان الشرعية وحدها. لذلك لم يكن استشهادهم خسارة، بل استثمارًا في مستقبل نعيشه اليوم.

اليوم، ومع قرارات حاسمة لحصر السلاح بيد الدولة، ندرك أن هذه ليست تفاصيل تقنية ولا تسويات عابرة، بل امتداد طبيعي لإيمان الشهداء: أن لا خلاص للبنان إلا بسلطة شرعية واحدة، بجيش واحد، بدولة واحدة.

التاريخ بدأ ينصفهم. وعي اللبنانيين يتنامى بأن السلاح غير الشرعي لا ينتج إلا الدمار وتكرار المآسي، وأن وحده السلاح الشرعي يعيد للبنان روحه ودوره. عند هذه اللحظة، يبدأ الاعتراف الحقيقي بالشهداء: حين تتحوّل دماؤهم من ذكرى إلى مسار، ومن رمز إلى مشروع دولة.

“القوات اللبنانية” لا تستحضر شهداءها للبكاء على الأطلال، بل لتذكير اللبنانيين بالعهد: أن نحافظ على لبنان وطن المؤسسات، وأن نكمل المسيرة حتى لا يبقى في هذا البلد سوى سلاح الدولة وشرعيتها.

القوات، التي وُلدت في قلب الحرب، اختارت بعد انتهائها أن تكون مشروع دولة لا مشروع ميليشيا. لذلك حين ترفع اليوم شعار السيادة والشرعية، فهي لا ترفعه من باب الدعاية أو المزايدة، بل من تجربة تاريخية دفعت ثمنها بالدم. هذه الشرعية الأخلاقية تمنحها قوة سياسية لا يستطيع خصومها انتزاعها، وتجعلها في قلب معركة بناء الدولة.

إنصاف الشهداء لا يتحقق بالكلمات وحدها. إنصافهم الحقيقي هو بناء وطن يليق بدمائهم، وطن تكون فيه الحرب والسلم قرار دولة لا قرار ميليشيا. عندها فقط تصبح الشهادة فعل حياة متجذر، وتتحوّل خسارتنا لهم إلى مكسب دائم للوطن.

اليوم، بعد عقود من الاستنزاف، نشعر أننا أقرب من أي وقت مضى إلى لبنان المؤسسات. هذا الطريق لم يُفتح صدفة، بل شُقّ بدماء رفاقنا الذين أرادوا لبنان وطنًا نهائيًا، لا ساحة مسلّحة. هم لم يرحلوا، بل عبروا بنا إلى لحظة الجمهورية القوية العادلة.

شهداؤنا تركوا لنا بوصلة لا وصايا مكتوبة: أن لبنان، لكي يعيش، يحتاج إلى دولة لا ميليشيا، إلى قانون لا فوضى، إلى وحدة لا انقسام. هذه هي رسالتهم التي يجب أن تبقى ثابتة وخالدة في نفوسنا.

#نجرؤ_ليبقى_لبنان

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل