صحيفة النهار – نبيل بومنصف
عامذاك، في خريف 1983، كانت إيران في مطالع “ثورتها” حين ضربت ضربتها الأعنف العابرة لما صار لاحقاً المحور الممانع، فزلزلت بيروت تحت وطأة تفجيرين دمويين استهدفا مقري قوات المارينز الأميركيين والمظليين الفرنسيين الذين كانوا ضمن القوات المتعددة الجنسية المنتشرة في العاصمة اللبنانية عقب الاجتياح الإسرائيلي.
كما في مطالعها كذلك في “أواخرها”، على افتراض أن الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران وقبلها الحرب الإسرائيلية على “الحزب” جعلت طهران في أقرب درجات الإضعاف، لا تجد طهران الراهنة “أفضل” من لبنان ساحة مجربة للترهيب الدموي والتلويح بأبعد المديات التخويفية، وها هو شعار الترهيب بالحرب الأهلية بديلاً من ضرب المارينز والمظليين الفرنسيين.
هذا الجاري في الأيام الأخيرة في توظيف ملابسات الجرجرة الديبلوماسية الأميركية التي عكستها زيارة أكبر وفد أميركي مشترك من الإدارة الأميركية والكونغرس إلى لبنان، واستغلاله برفع “سلاح” التهويل بالحرب الأهلية من جانب “الحزب ” في وجه العهد والحكومة والجيش في لبنان، يعكس الخردة المتجددة التي تلجأ إليها إيران في استباحة لبنان بعد أكثر من أربعة عقود على افتتاحها مواسم الإرهاب آنذاك في مخاطبة الغرب. يومذاك استعمل “الجهاد الإسلامي” تسمية مرقطة في التفخيخ والتفجير اللذين أتاحا تباعاً تعاظم الحلف الذي قام بين حافظ الأسد والخميني على أرض لبنان بمزيج الإرهاب ونشأة التنظيم الذي صار لاحقاً “الحزب”.
الآن تبدلت جذرياً كل ظروف المنطقة التي زلزلها “طوفان الأقصى” واشتعالاته الإسرائيلية وحروبها الارتدادية المخيفة في كل اتجاهات وأنحاء الشرق الأوسط وصولاً إلى إيران نفسها. ومع ذلك يبدو مدهشاً تشبث النظام الإيراني بلبنان، ولو عن يأس المتشبثين، كساحة جاهزة للتوظيف ما دام حليفها في أتم الاستعداد لاستعادة أسوأ التجارب، وإسقاط كل محاذير الانتحار بالتهويل بالحرب الأهلية.
يقف لبنان في نقطة وسطية تماماً ما بين إسقاط شرعيته وسلطاته ومكونات حكومته لكل خردة الاستباحة التي تلجأ إليها إيران والتي تترجم حرفياً “باللبناني” تهويلاً بالحرب الأهلية على لسان “الحزب”، وما بين سقوط المشروع الأنجح لاستكمال معالم استعادة الدولة والسيادة وأحادية السلاح في يد الجيش والأجهزة الأمنية الشرعية. هكذا بكل تبسيط وتعقيد في آن واحد.
لا يعني اللبنانيين أن يغمرهم غبار التهويل كرد على انحياز أميركا إلى إسرائيل، لأن ذر الرماد في العيون بدأ منذ اللحظة الأولى لولادة عهد وحكومة خارجين عن “الطوق” العتيق “الممانع”، ولم ينتظر لا توم براك ولا مورغان أورتاغوس ولا من قبل وبعد. طبعاً لا توفر صدمات الهبوط والطلوع في جولات الموفدين تقديم الذرائع للحزب في محنته التي استدرجها لنفسه ومحنة داعمته الإقليمية عقب حرب الـ 12 يوماً والمتوسلة تفاوضاً متجدداً مع عدوتها وعدوة ذراعها، فيما هما يهولان على الشرعية والحكومة والجيش واللبنانيين عموماً بالحرب الأهلية. ومع ذلك، فإن اللعب على حافة الهاوية والإيحاء بالجاهزية الحاسمة المتوثبة لإشعال حرب أهلية، هذا اللعب بالنار وإن كان يفهم من زاوية استخدام السياسات الشمشونية لتجنب السقوط فيها، فهو يقتضي تصويباً وردوداً عاجلة جداً من جانب الشرعية اللبنانية وحدها وليس من أي طرف أو فريق داخلي أو دولة خارجية.
مع من تريدون الاحتراب مجدداً يا شركاء؟ لا وجود لراقص ثان في رقصة الموت هذه، ولا شريك لكم في الاقتتال الانتحاري، وليس في وجهكم سوى الشرعية وجيشها…