

.jpg)
.jpg)













بيوت الدنيا أينما قام بنيانها وكيفما تمَّ بناؤها فإنَّ لكل منها نموذج هندسيٌّ يستهلك ما تستهلكه العمارات من مواد حجريّة وترابيّة ورملية وحديدية. لكنَّ أحياء وحارات ودارات هذه الأورشليم البقاعية في مبناها ومعناها هي أعلى من جدران ومداميك وسقوف، ومن له عينيان متنسِّكتان يقرأ منازل هذه العامرة قراءة نصوصٍ إنجيليَّة تجذب ألهام العيون والنفوس إلى نصٍّ إنجيليٍّ مصيريٍّ يشبِّه بلاد الدير “بوادي قدرون”، حيث عبر المعلم إلى ليلة الجسمانيّة ترافقه نفسه الحزينة حتى الموت حبًا وجبينًا ينضح عرقًا ودمًا. ليس مثل أورشليم البقاع مَن تفهَّم المسافة الآلاميَّة بين مشيئة الآب ومشية الإبن ثلاثة وثلاثين سنة بين خشبتين متناقضتين شكلاً متجانستين جوهرًا، مَن تجتمع فيه أخشاب مزاود الولادة وأخشاب الموت صلبًا كما اجتمعت فيكِ يا توأم جليل الأمم، يا ديرنا وترابكِ القاني مغزولٌ غزل خيطان قماشة ذلك الرداء الأرجواني الملقى هوانًا على هامةٍ ملوكيَّة تقاسمت وملكها اجتياز مسافات دروب الصلبان ثباتًا وصمودَ، وقوعًا ونهوض. السيِّد الحَمَل سيِّدك، وأنتِ يا حاملة أحماله تستهلكين وإيَّاه مسامير المصلوبين، وتنهكان عزائم الصَّالبين، لكِ دوام السَّلام أنتِ الحرب على الاستسلام، وطالما ذراعاه المغروستين بالمسامير ثمارًا لن تستسلما مهما طال زمن الصَّلب، فإنَّكِ ياديرتنا لن تستسلمين!!
بلاد الإباء والأباة
لدير الأحمر مؤرِّخون نذروا نذور الأمانة المؤبدة لتأريخٍ علميٍّ موثوقٍ بصدقيته وحرفيَّته ورصانته وجهود مؤرِّخيه في التنقيب عن أدلَّة دامغة بيِّنة لا تشوبها شائبة عاطفةٍ شخصيَّة مناطقيّة. هذه الدِّيرة البقاعيَّة المختارَة الموقع والموضع والهدف والغاية، اختيار الإنجليين لنصوص أناجيلهم الأربعة لعلَّها تحتِّم على روَّاد الوصول إلى تاريخها أن يستلهموا فصول سفر الرؤيا وسفر الملوك الأول والثاني، لأجل أن يتلاقوا مع الجيولوجيا وبحَّاثة الجغرافيا في الذهاب بذاكراتنا إلى أزمنة الفينيقيين والأشوريين والرومان، المطبوعة طبعًا في معالم دير الأحمر وآثارها نقاط حدودها وفواصلها، وهي طالما كانت محطَّ أنظار واستحسان وطموحات قوافل التجارة الفينيقية والأشورية، وطريقهم مفتوحة في داخلها وصولاً إلى أقرب بلدان الشرق وأبعدها. وها آثار “قصر بنت الملك” خراج شليفا، لا يزال يختزن صور بدائية تصدير واستيراد منتوجات، كان لتجَّارها في باحة ذلك القصر مئات من مواعيد الرِّحال والتَّرحال!
في العام 1625 مسيحية كان تجديدًا لآحاد بيعة التَّلاقي المنتظر طويلاً، تلاقي رعية وادي الدير العاصي برعية سهل دير الأحمر، ومنذ بركة ذاك اللقاء، حلَّ يوم هبوب ريح عنصرة الأمَّة المارونية والروح القدس نسرٌ قدوس يرفُّ إعلانًا عن أول أبرشية مارونية شمال البقاع، بقاع الثلاثمئة وخمسين كأسٍ رفعها الأب الكاهن مارون، طوال قداديسه ممتلئة الكلام الجوهري بدماء رهبانه، شهادة لإله صلِب بجسد إنسانٍ وإنسان قام من موتنا إلهًا. مثلما اختار الرومان بلاد الدير مقامًا لمعبد إلههم جوبيتر إله الرَّعد والبرق ورمز العدل والنظام الاجتماعي، كذلك أراد طوباوي بطاركة المارونية اسطفانوس الدويهي، إلغاء ومحوِ رموز الصنمية والوثنية من تلك الديار المعدَّة لأقانيم الآب والأبن والروح، فأتمَّ نذر الإلغاء بوثيقة أشبه بأيقونةٍ إسطفانوسيَّة تأريخية مدونة في كتابه الأعرق الأثمن، “تاريخ الأزمنة”، ذاكرًا ومذكِّرًا: “أنَّه يوم 11/ 2/ 1625 سيم أسقف القَسّ يوحنا من بيت “قيزوح” على دير مار ليشع بشري ودير الأحمر”. ومنذ ذلك التأسيس الأبرشي الديراني البقاعي، والاتصال العائلي والكنسي والإيماني والحربي قائم بين الديارنة والبشراوية ومعظم عائلاتهم من ذات الأجباب المتحدِّرة من بشراي، في ذات القامات الأشبه ببنية الرِّماح والوجوه المتربَّية بين أحضان العواصف واللهجة الموروثة من توزينات وتنغيمات الترانيم السريانية، ومن فوق دعائم بوَّابة “نسَّاف البطرك” يبرق صوت الربِّ في العواصف الثلجية الكانونية: “ثقوا لا تخافوا أنا قد غلبتُ العالم”!!
البرجيَّة والبشواتيَّة
أُمَّة الديارنة وأميرتهم هي ذاتها القائلة: “ها أنا أمة الرب”. أميرة لم تأمر أهل أمارتها الديرانية إلاَّ أمر الوثوق فيها والالتجاء إلى ظلِّ حمايتها. برجها حصين ثابتٌ كتاجها وبدايةً ونهاية هي سيَّدة البرج وبنيانها الكنائسي موروث الأصل من أطلال معبد جوبيتر، وقد تحوَّل بعدها إلى برج عسكريٍّ لأحد فيالق جيوش أباطرة روما، ثم إلى دير لليعاقبة مطلع القرن العاشر إلى أن نهض الديارنة لنقض غاية المواقع الثلاثة رافعين مكانها برجًا لكنيستهم السيِّدية، وما أحبَّ وأشهى وأسمى وأسنى سيادة “البرجيَّة”. في العام 1834، تمَّ البناء برجًا لدير الأحمر مع تقديم العذر لبرج داوود وبرج العاج.. فهذه التي تاجها الشمس والقمر وحولها الكواكب تدور اثنَي عشر، لها الدير برجًا لعذراء وقفت وقفة الفارسات مع شعب ديرها أيام انفلتت عليه شتَّى أبراج العقارب والحيتان.. ولا صوت يعلو في عصيب تلك الليالي الظلماء على أصوات الضَّارعين المتضرِّعين: “يا برجيّة”! وها هي القائدة الهمَّامة “البشواتيَّة” الباسلة تقيس بعينيها الأموميَّتين كامل مساحات ومسافات الخطر الداهم، عينٌ على نبحا وبرقا والقدّام وبشوات وقرنة بيت لطوف وبليقة والزرازير وصفرا ومشيتية، وعين على شليفا وحرف شليفا وبيت مطر وبيت صليبي وصولاً إلى محارس بتدعي. طوال نهارات وليالي الظلم والظالمين والظلمة والظلاميين كانت “البشواتية” تطوف فوق المتاريس وتسهر داخلها وترشُّ ماء القلب المريمي حولها. رجال الدير صناديدًا وفرسانًا ومقاديمَ، وطوال أيام انفلات الغزوات من كل جهة وصوب، لم يستثيغوا قطع أذن عبد رئيس الكهنة كما فعل بطرس ليلة القبض على معلمه من دون طلبهم الأذن من بطرسهم الراهب الواعظ القديس. إنَّ للدير بطرسًا مواعظه كمواعظ الأنبياء تصفع الملوك، وتقطع أعناق جلاوزة الرجيم، وتبيد قبيلة سيوف وسيَّافين لا مهمة سوداء لهم إلاَّ مطاردة الإيمان والحريّة… مَن هو الذي عرف مملكة البرجية والبشواتية ولم يتعرَّف على قوسها السَّماوي، قوس “القزح” الممتدِّ عل طول آفاق الكهنوت الملوكيّ الملكوتيّ منذ مذبح ملكيصادق الكاهن حتى كاهنٍ “قيزوحي” العائلة كما ورد في تاريخ أزمنة الدويهي عن أبرشية دير الأحمر ومطرانها الأول “يوحنا قيزوح”. قوس قزح جميع آحاد الكهنة حوَّل تولَّهه بالمصلوب صليبًا تسمَّى على أسمه وفعله!!
مطلوب الدير واحد
متلازمة التَّشبيه كم تدلُّ على دقّة الشَّبه بين مهمة رجال القبعات الزرقاء عند طول أزرق الشريط الحدودي الجنوبيِّ وبين مهمة رجال النُّمر الزرقاء المنتدبين برلمانيًا وتشريعيًا نيابةً عن البقاع اللبناني، سهلاً ممتنعًا عن غضِّ الطَّرف في يوم الحساب… دير الأحمر هذه النّاصعة المدى كطيبة قلبها وبياض خبزها وبركة برشانها، إنَّ لها عقل ليس مثله يتسامى كلَّما تطلَّب الاختيار المصيري سموًا وزهدًا حتى إلغاء الأنا لأجل نحن… دير الأحمر لا مطلب لها أغلى من أن تبقى في دير الأحمر ولا تنزح عنها، وللبقاء الدائم فيها أولويّات آية: “الحصاد كثير والفعلة قليلون”، والطَّلبُ يتوجَّه أولاً وأخيرًا إلى ربِّ الحصاد الذي بينه وبين الدير قمح واحد وخبز واحد ورغيف واحد ولقمة واحدة، “ومن يخدم المذبح من المذبح يعيش”، ومَن مثل دير الأحمر خدم المذبحين الأقدس، مذبح مسيحانية أنطاكيا وسائر المشرق والصَّاعد إلى جمعة الشرق العظيمة، صليبه العبور على دروبها. مَن مثل دير الأحمر خدم المذبح اللبناني وإحصاء ربوات شهدائها كإحصاء ربوات الملائكة. ومن له ذاكرة ما زالت على قيد الحياة والحياء فليتذكَّر راهب الكيان اللبناني والماروني الأب العام بولس نعمان يوم “سبّ الدين” عند جبهة حرف شليفا بعد ضراوة تلك الليلة العصيبة، دين الذين لا دين لهم إلاَّ أنانياتهم حتَّى ولو كانت حرمانًا لمنطقتهم من ضروريات الدفاع عنها في عزِّ أخطارها إن لم يتأمَّن المطلوب عبر جنابهم!!
دير قلبكِ الأبيض
زلزال صيف العام 2024 الذي ضربت تردُّداته العنيفة جنوبًا وضاحيَّة وبقاعًا تحرَّر قديس نبحا شهيد دير الشهداء غصيبة كيروز من خاطفيه يوم 23 كانون الأول من العام 1975… كما تحرَّر كاهنه ومعلِّمه ومرشده وملهمه قديس برقا الراهب اليسوعي الأب نيكولا كلويترز من خاطفيه يوم 13 أذار من العام 1985… قديس نبحا ومعلمه قديس برقا حمَّلتهما بلاد دير الأحمر مفاتيح أبواب بيوتها وكنائسها ومستوصفاتها ومدارسها ونواديها حتى مركزها الحزبية، فانفتحت الأبواب الديرانية جميعها تتأهل بجموع النازحين من مناطق ترجمها أحدث القاذفات فتكًا وتدميرًا، وأخطر المسيَّرات ملاحقةً للمقاتلين والمدنيين والأبرياء سويَّة. قديس نبحا ومعلمه قديس برقا، ترائيا بهالاتهم النورانية للوافدين من بقع الموت إلى ديارهم طلبًا للنجاة والحياة.. ترائيا وأيديهم تحمل جميع ما في دير الأحمر من خبز وطعام وفُرشٍ ووردٍ يًشبع ويطيَّب المَنافس.. غصيبة كيروز وأباه نيكولا كلويرتز، وباسم عموم أهالي دير الأحمر، تحوَّلا طوال صيف وخريف ومطلع شتاء العام 2024 إلى آب وابن مصلوبَين معًا تغمرهما ألوهة الغفران العظيم إن درى الصَّالبون ما فعلو أو لم يدروا!!
دبكة لبنان الوطن والرسالة
على مدِّ عين ساحة قصرٍ جمهوريّ شحَّت سيادته في عتمات ذلك الزمان، كانت دبكتكِ يا دير الأحمر علامة العنفوان اللبناني الوحيدة في صحراء ذاك القصر، علامة من جمهورية السيَّدة البرجيَّة والبشواتيّة وحدها تليق بيوم استقبال قديس حرية الشعوب في بلاد أرز الرب ووطن أثنين وسبعين سفر من أسفار الكتاب المقدس. دبكة الدير يومها فاض منها العز الأسير والرجولة العاصية على سراديب الزنزانات، كما فاضت صيف 2024 شهامة الديارنة والأذرع مفتوحة على محبَّتيها لطالبي قربها ضيافتها وشهامتها، فكانت آية آيات مار يوحنا بولس الثاني حبيب الشعب اللبناني: دير الأحمر أكثر من بلاد أنَّها رسالة ورسولة!!!