قبل قراءة محتوى الكلمة، فقد كان لإطلالة رئيس مجلس النواب ورئيس حركة المحرومين حركة الإمام موسى الصدر، أي حركة “أمل” في الشكل، وقعًا إيجابيًا جامعًا مؤيدًا من الغالبية العظمى من اللبنانيين، من ناحية أن الرئيس نبيه بري وقف أمام خارطة لبنان ولافتة وشعار وثابتة من ثوابت صاحب الذكرى الإمام موسى الصدر، والتي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الدستور اللبناني: “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”.
بعد القراءة في المضمون والأساس، نقع على مخالفات صريحة وواضحة وانحرافات فاضحة عن الخط الذي رسمه الإمام وغُيّب وأخفي بسببه، وهو ما كُتِب لاحقًا في مقدمة وثنايا الدستور اللبناني وفي تعديلاته في اتفاق الطائف وفي القرارات الدولية ذات الصلة، كما أبرزت كلمة رئيس حركة موسى الصدر انحرافًا عن ما سبق أن تعهده هو شخصيًا، مُكَلَفًا مُفَوَضًا من “الحزب” حامل السلاح الذي اعتبره برّي عزه وشرفه، وتحديدًا في ما صدر عنه وعن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي والزعيم وليد جنبلاط في 2 تشرين الأول من العام 2024، تمهيدًا للاتفاق الذي أقر في مجلس الوزراء بتاريخ 27 تشرين الثاني من العام 2024 والذي يؤكد على ما ورد في مقدمة الدستور وبنوده عن حصرية السلاح بيد الدولة بقواها الشرعية وحدها، تكرارًا لما قاله خطاب القسم الذي أيده الرئيس بري في ذكرى الإمام والذي أؤيّد بثقة نواب “أمل” وحزب السلاح، على ما ورد في البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام، ولم يكن ما صدر في جلستي 5 و7 آب من العام 2025 الا تأكيدًا لمؤكد الدولة اللبنانية السيادية البعيدة عن التبعية ولعبة المحاور وألعاب الحرب والموت والسلاح، والذي عبّر عن مقتها ونبذها الإمام موسى الصدر في محطات حياته التنظيمية السياسية والاجتماعية:
ففي مقابلة مع الصحافي الشهيد سليم اللوزي في مجلة الحوادث في 2 أيلول من العام 1977، قال الصدر بما يشبه الردّ بمفعول استباقي: “أعتقد أن الشيعة في لبنان لبنانيون عرب مسلمون قبل كل شيء، وأن الربط السياسي بينهم وبين أي بلد آخر غير لبنان سيما البلاد غير العربية خطأ كبير لا بل خطيئة. هل يشكو لبنان من قلّة الولاءات حتى نحاول إضافة محور سياسي جديد، وأرجو أن يُفهم هذا الموقف من قبل الجميع، لبنانيين وعربًا وإيرانيين، ومن قبل بعض السياسيين الذين يتاجرون بهذه العلاقات ويستفيدون منها على حساب الوطن وعلى حساب الطائفة. فليهنأوا بعيشهم، وجنّبنا الله هذا العيش” … ليعود الصدر ويعلن وفي نفس المقابلة أن “هناك في إيران وفي لبنان من يريد أن يجعل من الطائفة الشيعية طائفة مرتبطة بإيران سياسيًا، وأنا أرفض هذا الترابط وأعتبره خلاف مصلحة طائفتي ووطني وخلاف مصلحة إيران أيضًا”.
في 16 أيلول من العام 1977 يقول الإمام موسى الصدر: “لا بدّ من إخراج لبنان من جوّ المحاور، والتي تُعتمد غربيًّا ودوليًا بسرعة، وبالتالي يؤدي ذلك الى إدخالنا من جديد في لعبة الأمم التي جرّبناها ودفعنا ثمنها غاليًا”، أما عن جدوى التمسك بـ”القوة” وبالسلاح والذي عبّر عنه بري بأنه “عزنا وشرفنا في لبنان”، واعتبره أمين عام “الحزب” “الحياة” إذ قال بأن لا “حياة” في لبنان في حال “مُسّ” السلاح غير الشرعي، ينقض الإمام موسى الصدر هذه المزاعم وتلك الادعاءات تمامًا في 13 تشرين الأول من العام 1973، إذ يجزم بأن “القوة مهما غشمت فستتحطّم أشلاء، وتذهب هباء إذا لم يكن في جذورها الإنسان”، مسقطًا تجربة استجلاب “المقاومة الفلسطينية”، للويلات على الجنوب اللبناني سابقًا، على تجربة “المقاومة الاسلامية” حاليًا، وفي هذا السياق، يقول مؤسس حركة أفواج المقاومة اللبنانية “أمل” في 31 آذار من العام 1978: “…وفي محنة الحرب أيضًا، عندما كانت الجبهات الأخرى هادئة، كانت جبهتنا متفجرة. من الذي فجر الجبهة في الجنوب؟ ليس اللبنانيون! لأن اللبنانيين، أرضهم كانت موجودة، لم تكن أرضنا محتلة في الجنوب. العرب فجروا الجبهة في الجنوب. من الذي فجر!! وبعض المسؤولين وافق على تفجير هذه الجبهة، عندما وافق على انتقال المقاومة الفلسطينية إلى الجنوب. مسؤول في الحكومة. مسؤول رسمي، يوافق على ذلك وليس أهل الجنوب، بعثوا وطلبوا، وفجروا الجبهة، أبدًا. إذًا، العالم العربي، أيضًا في تسخين الجبهة، وفي تفجير الجبهة، لم يقف مع لبنان، ومع الجنوب. وجنوب لبنان وحده دفع الثمن… مصيبتنا أننا تحملنا وحدنا عبء لبنان، مسؤولية لبنان، واجبات لبنان تجاه أشقائه وتجاه القضية العربية وتجاه العدو المشترك. ومصيبتنا أن لبنان وحده تحمل مسؤولية هذه القضية بالنسبة إلى الدول العربية الأخرى. إذًا، نحن مصيبتنا هي مصيبة عدم التكافؤ في الحرب. وإذا كان من شماتة، وإذا كان من اتهام بالضعف، وإذا كان من اتهام بالخروج من الجبهة، فليتحمل المتحملون والمسؤولون هنا وهناك وهنالك هذه المسؤولية. وآخر من يتحمل مسؤولية بالخروج من الجبهة: الجنوب.”
وكأني بالإمام موسى الصدر في ذكرى التغييب السابعة والاربعين يقول لو قدّر له: “إن كنت تقصد قتلي قتلتني مرّتينِ”.
.jpg)