#dfp #adsense

نجرؤ ليبقى لبنان

حجم الخط

لبنان ـ معراب

في قدّاس شهداء “المقاومة اللبنانية” وحزب “القوّات اللبنانية” 2025، سنصغي إلى أصواتٍ ترنيمية روحانيّة ترفرف فوق سنديانات معراب وأرزاتها الفتيّة كأنّها بين جدران الكنيسة، أصوات الشهداء التي صارت جزءًا من أناشيد السماء. فالمناسبة ليست مجرّد ذكرى، بل هي وقفة أمام التاريخ والحاضر معًا، وعهد جديد بأنّ دماء الأبطال التي روت تراب الوطن لن تذهب سُدًى. وهذه هي رؤيتنا إلى المستقبل.

لقد قال السيّد المسيح: “ليس لأحدٍ حبّ أعظم من هذا، أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه” (يو 15:13). بهذه الروح، قاتل المقاومون الأوائل، فسقطوا على التلال وفي الأزقّة، لا ليهزموا خصمًا فحسب، بل ليحفظوا وطنًا وكيانًا ورسالة. سقطوا ليس كرهًا بالذين يحاربونهم، بل حبًّا بالذين يدافعون عنهم. كان الشهداء، كما وصف أنطوان نجم، “الذين حوّلوا موتهم حياةً لنا، وكتبوا بدمائهم سفرًا خالدًا من البطولة”.

والأهمّ الذي علّمنا إيّاه “المعلّم” أنطوان نجم، هو أنّنا نستطيع أن نبقى لكن يجب أن نريد ذلك قبل التفكير به. فالإرادة هي الدّافع الأساس الذي حمل رفاقنا على الذّود عن مجتمعهم من دون أن يسألوا أيّ مقابل لذلك. وهكذا يجب أن نكون نحن اليوم. إرادتنا صلبة. نبقى لأنّنا نريد البقاء أوّلًا. ونؤثر البقاء على الرّحيل. وآثرنا. وبعد ذلك ما يمليه علينا ضميرنا وقناعتنا نقوم به بكلّ تجرّد.

منذ اندلاع الحرب اللبنانية، اختارت المقاومة أن تكون سورًا من لحمٍ ودمٍ يحمي الكيان من الذوبان. وفي كلّ معركة، كان الشعار الباطني: “لبنان أو لا شيء”. وكما كتب ميشال شيحا: “لبنان فكرة قبل أن يكون وطنًا”. فالمقاتلون جسّدوا هذه الفكرة في دمائهم، ليقولوا للعالم إنّ لبنان ليس قطعة أرض، بل معنى ورسالة. تجرّؤوا هم، فبقينا نحن. لذلك لا يمكن أن نكون أقلّ من تطلّعاتهم وقتذاك. علينا أن نتجرّأ ليبقى لبنان. وإن لم نجرؤ حيث تجرّؤوا هم في ذلك الزمان، فحتمًا لن يبقى لبنان.

لا يغرّنكم وهم الانتشار والتعولم في  زمن القرية الكونيّة الواحدة. فكما اعتبر شارل مالك أنّ وجود لبنان مرتبط بوجود الموارنة فيه، هكذا يجب أن نكون.  فالمارونيّة بالنسبة إلى هذا الأرثوذكسي الفذّ لم تكن يومًا طائفة أو مذهبًا، بل كانت نهج حياة. هذا النّهج الذي اتّبعه رفاقنا فحفظوا لنا الحرّيّة التي إن عُدِمناها عُدِمنا الحياة على حدّ قول البطريرك المثلث الرحمات مار نصرالله بطرس صفير.

وفي مرحلة اعتقال القائد الدكتور سمير جعجع خلف القضبان، تجسّد قول الرسول بولس: “في كلّ شيء نُضايق ولكن لا نُحطَّم، نُحمل إلى الموت من أجل يسوع لتظهر حياة يسوع أيضًا في جسدنا” (2 كور 4:8-10). تحوّل السجن إلى منبر، والزنازين إلى أيقونات، كما قال شارل مالك: “الحرية تُولد من المعاناة، والإنسان لا يُصاغ إلا في نار التجربة”. جعجع لم يخرج من الاعتقال منكسرًا، بل أشدّ رسوخًا في قناعته بأنّ الحرية قدر، وأنّ لبنان لا يقوم إلا على صخرة الحقّ. لذلك كما تجرّأ الحكيم سنجرؤ، وإلّا لن نكون.

ومع ربيع العام 2005، بدا وكأنّ دماء الشهداء ودموع الأمهات وصبر المعتقلين ووجع الأجيال، التقت جميعها لتكتب فصلًا جديدًا من الحرية. دخلت القوات الحياة السياسية رافعة مشروع الدولة، لا كخيارٍ تقني، بل كقدرٍ وجودي. وكما شدّد يوسف السودا: “الدولة هي التعبير الأسمى عن وحدة الشعب”، كذلك آمنت القوات بأنّ الشرعية وحدها قادرة على حماية لبنان. لذلك ثبتت صوابيّة قرارها بتسليم السلاح في تسعينيّات القرن الماضي والتوجّه نحو الدّولة. فهذا الفعل تجسيدًا لفعل إيمان، للأسف هو اليوم مفقود عند حملة السلاح غير الشّرعي، لأنّهم لا يؤمنون بالدّولة. ولأنّ إيمانهم ليس بالوطن هم فقدوا هذا الإيمان أساسًا.

في معارك السياسة، السلاح هو الكلمة، ولأجل “الكلمة”، استُشهِدوا فداءً لصليبه ولحرّيّة وجوده في هذا الشرق  المكلوم، والميدان اليوم هو المؤسسات. انتقلت المقاومة من خنادق التراب إلى خنادق البرلمان، ومن صوت الرصاص إلى صوت الضمير، لكنّ الهدف بقي نفسه: لبنان سيّد، حرّ، مستقلّ.  10452 كم2 على خطى “البشير” الذي علّمنا كيف نجرؤ، فتجرّأنا مع “الحكيم” لنبقى وبقينا. وكما قال كميل شمعون: “لبنان لا يُحمى إلا بلبنانيّته”، كذلك ظلّت القوات ترى أنّ حماية الكيان تمرّ عبر الدولة القوية وحدها.

نصغي اليوم إلى صوت بشير الجميل في وصيّته: “نريد لبنان 10452 كلم²، وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه”. وصيّة لم تكن مجرّد حلمٍ عابر، بل نبوءة صارت دافعًا لأجيال متلاحقة. ونتذكّر كلمات كمال يوسف الحاج: “لبنان وطن الشهادة، لا وطن الموت”، فالشهادة فيه قيامة، لا انكسار. هكذا شهداؤنا يقومون مع قيامة لبنان في كلّ لحظة. ولأنّنا أبناء هذه القيامة بالذّات استطعنا إقامة لبنان. وبالتّالي شهداؤنا يقومون لأنّ إيماننا ليس باطلًا بالقيامة، بل هو ثابت ومبني على صخر لبنان.

“تعرفون الحقّ، والحقّ يحرّركم” (يو 8:32).  شهداؤنا عرفوا الحقّ وآمنوا به ودفعوا ثمنه، وسلّموا أجيالًا من المقاومين بالفكر، هم مدعوّون اليوم ليكملوا المسيرة نفسها. فالمستقبل لا يُبنى بالخوف، بل بالجرأة. والجرأة ليست مغامرة، بل فعل إيمان: إيمان بالوطن، وبالله الذي شاء أن يكون لبنان أكثر من بلد، أن يكون رسالة. ولا يخطئنّ أحد بالانجراف وراء دعاة نبذ هذه الرّسالة.

طريقنا طويلة لكنّها صحيحة. وما يثبت صحّة طريقنا أنّ كلّ الذين ظنّوا بأنّهم تجرّؤوا على قتلنا يومًا ما، هم اليوم باتوا أمواتًا في حياتهم. ومَن دخل الموت منهم ما خرج منه لأنّهم لا يؤمنون بالقيامة التي هي إيماننا وإيمان شهدائنا. “جوهر القضية اللبنانية هو حرية شعب لا وحدة أرض. الأرض الموحدة لا تحرّر شعبًا محتلاً، بينما الشعب الحر يوحّد أرضًا مقسّمة. وسنوحّد لبنان ليكون وطن الحريات.” هذه فلسفة الحرّيّة التي علّمنا إيّاها البشير: الإنسان أسبق، والحرية شرط لقيام الوطن، لا العكس.

“الشرعية حضور في الشعب، لا وجود في الدولة… الوجود فعل، الحضور تفاعل… الشرعية تنمو بمقدار ما تقوم بدورها… ولِمَ الفائدة من وجود الدساتير والأنظمة والجيوش والإدارات إذا لم يتمكن الحاكم من الاستعانة بها لإنقاذ المجتمع والأمة”. هكذا قال في خطاب قسمه قبل أن يغتالوه. لذلك نحن مدعوّون اليوم لممارسة فعل حضورنا في حاضرنا لنصنع مستقبلنا. ولأنّ دستورنا ونظامنا وإدارتنا عاجزة عن خدمة شعبنا كما يستحق، لذلك الواجب يحتّم علينا التطوير والعمل نحو الأفضل. فالاستسلام مرفوض وممنوع.

“معركتنا اليوم هي معركة وجود: إما نحافظ على ما تبقى من لبنان ونسترد ما خسرناه، أو نشهد زواله. وإمّا نحافظ على ما تبقى من الحرية ونعيد سويًا وطن الحريات، أو نعود جميعًا إلى السجن الكبير”. هكذا علّمنا سمير جعجع، وهكذا يجب أن نكون في قلب هذه المعركة. “ما بيصح إلا الصحيح”…

هذه هي العدوى التي نقلها إلينا سمير جعجع. الحرية الفعلية التي دفع الحكيم ثمنها غاليًا جدًا. هي قيام جمهورية قوية تليق بتضحيات رفاقنا الشهداء الأبطال. جمهورية قوية تخرجنا من المعتقل الكبير وتعيدنا إلى شمس الحرية. لذلك كلّه، علينا أن نجرؤ ليبقى لبنان. وسيبقى لبنان.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل