#dfp #adsense

دماؤكم طوباوية وأرواحكم قديسة.. كما في السماء كذلك على أرض لبنان

حجم الخط

تنفيذًا لحكمٍ أصدره في حقِّه عبدة الحرف والسَّبت، مشى إسطفانوس رئيس الشمامسة محكومًا عليه بالأعدام رجمًا، متقدِّمًا جلاَّديه وثَّاب الروح، حازم القرار، متماسكَ الجسد من دون أدنى رجفة، خاشعًا بعينيه صوب الباب الأرجواني الأعلى حيث المجد وقفٌ للمصطبغين بدم ابن البشر.

كأرزة مورَّدةٍ طالعة من جزع الضياء وقف الشَّماس المُساق إلى رشقات الحجارة، ناظرًا الاستقبال المُعدّ لحاملي مصابيحهم المضاءة بدمائهم ثمَّ اغتبط متهلِّلاً ممتلئًا من الروح القدس جهير الصَّوت: “ها أنا أرى السَّماء مفتوحةً وابن الإنسان واقفًا عن يمين الله”!

من أين لنا عيونٌ تستوعب ولو بلمحةٍ ذاهلة هذا المشهد الثَّالوثيٍ الذي تراءى لأول الشهداء، إن لم تُنضَح ضمائرنا بأكثر تطهيرًا من الزوفى، وهل هناك طهارة تنضح تطهيرًا لبلادنا المثقلة بشتَّى أنواع الآثام الوطنية ومراتب فعلة الإثم إن لم تكن رحيقًا تفوح به دماء خمسة عشرة ألف “إسطفانوس لبنانيٍّ” إيماننا والرجاء أن لا يتطوَّع شاوليٌّ منّا لحراسة ثياب قاتليهم!!

 

لكن هل نحن حقًا شهود على ذلكَ؟..

ما أرهبها تلك السَّاعة، ساعة مقاربة الشهادة بالشهود ولحظة مواجهة الشاهد مع الشهيد، وهل بيننا مَن يجرؤ على هكذا مواجهة خطيرة دقيقةٍ في كلِّ سؤال وجواب؟.. ما أخطر وأدقَّ كرسيَّ الاعتراف الكونيِّ والمعترف عليه الاعتراف بأنَّه لولا الجلجلة لتحوَّلت الكرة الأرضيَّة بأكملها إلى جمجمة!

ما الفرق بين أيلول ارتفاع الصَّليب وأيلول رفع كأس قربان الشَّهيد، وللأيلولين ذات نكهة الصَّلب والتصاق اللحم بالخشب ورشاش النَّزيفين واصلٌ إلى وجدانيّات الآب واعد البشرية بخلاصها، والروح يجدِّد وعده بحلول ريحه القدوسة مع كل طير حمام يوافي شعب العنصرة، والروح المعزِّي حاضر في عنصرة الأوطان وأمَّهات الشهداء لا يتعزَّين إلا بأفخارستيَّة  الترنيمين: “طوبى للمدعوين إلى وليمة عرس الحمل”… وطوبى للمدعوين إلى مائدة مذبح خمسة عشرة ألف وحدهم حملوا وتحمَّلوا خطايا لبناننا وشرقنا كما احتملوا فجور الأمم!

أحد أيلول المذبح والتقدمة والكلام الجوهري و”شيلة الكأس” والسّاحة والرفاق، هل جميع المدعوين يستحقون سماع تلاوة إنجيلين: إنجيل يماشي المعلم الربّ أينما مشى وحلَّ وشفى وأفاض في الأمثال، وإنجيل تفوح منه رائحة عرق ودم وتراب وحصى درب الصّعود المفجع حتى جبل الخشبة والمسامير وخسوف الشَّمس المضرَّج بلون الخل وحجاب الهيكل المتصدِّع المطعون بذات طعنة تلك الحربة..

هل جميع المدعوين مؤهَّلين للكينونة في حضرة هذا التَّجلي الأيلولي المسائي، وخيمة القداس مَظالٌ منسوج في جبل دير القطَّارة وأطياف “القطَّاريين” السماوية لها من رهبة الظهور على الحاضرين ما يفوق جلالةً ومهابةً ظهور موسى وإيليا، وأين طور طابور من طور أيلول معراب.

الرفاق المحتشدون فوق احتشاد الآيات بالآيات والصلوات بالصلوات والتراتيل بالتراتيل والنوايا بالنوايا، وليس من رفيقٍ بيننا وإلا يهتف هتاف بطرس يوم التجلِّي: “حسن أن نبقى ههنا يا معلِّم”، والهنا هو كل متراسٍ لنا سكنَّاه محراسًا نزود منه عن محارمنا البيوت والأهل والأرض وتاريخنا المعمِّر المدوَّن في سجلات نفوس أرزنا ولزَّابنا وسندياننا وشوحنا.

“حسن أن نبقى ههنا” والهنا هو صروح بطاركة، حاكت عصرها الذهبي داخل المحابس والمغاور وحفائر الأشيار وأفقر الأديار زهدًا، وأين مركبة إيليا النارية من شهب نيران التهمت دانيال الحدشيتي وجبرائيل الحجولاوي فاستحق بطاركتنا تسمية بطاركة أنطاكيا وسائر محارق الأحبار الشهداء المرتفعين من النار إلى النور!!

 

نعترف أمام السَّماء وأمامكم

إن لم تكن كل كرسيٍّ نجلس عليها مساء قدسيَّة قدّاسكم كرسيًّا للاعتراف، فلماذا نوافي تذكاركم من جميع مناطقكم اللبنانية. هجرتم العائلة والأهل والبيوت. هاجرتم من مرافئ أحلامكم الزاهية، وزهوات الشباب بين نهاراتٍ تسعون فيها إلى أفضل ما تستحقُّه اختصاصاتكم العلمية وطموحاتكم العملية، فأدرتم ظهوركم لأثمن الفرص الذهبية، وقد حثَّتكم أشرعة الوطن المتمزقة ومراكبه المتخلِّعة لدخول مجتمع المتاريس والدُّشمِ والجبهات حين ثكنات الشرعيَّة موصدة الأبواب على خارج لبنانيٍّ زلزاليٍّ بركانيٍّ يترنَّح بين الفوالق والحمَم، ولم يعوِّض هذا الإغلاق الشرعي إلاَّ خروجكم من مدارسكم وجامعاتكم واختصاصاتكم وأعمالكم، تعوِّضون جهلكم بعلم السلاح والقتال داخل معاهد مخيمات التَّدريب بشجاعة وسرعة بديهية مَن لم يكن بحلمهم أن يحملوا السلاح يومًا. وعند مرور جناحي الوطن اللبناني في المطبَّات الهوجاء حلَّ العشق والهوى بينكم وبين البندقية عشق الحبيب للحبيبة، وهكذا حبيبة تقيم مراسيم عرسها فوق أعلى قمم جبل نشيد الأناشيد!!

 

بقدسيَّةٍ خالفتم توصيَّة المعلم

يسوع بالذات هو مَن أوصى خاصَّته: “لا تلقوا بذهبكم أمام الخنازير لئلا تدوس درركم بأرجلها”.. بكل بطولةٍ أنتم تجاوزتم التَّعليمة الذَّهبيَّة الفم والنطق والمنطق. بكامل إرادتكم وبأرجلكم دخلتم مملكة أكياس الرَّمل وحفرَ التَّحصينات وجدران الدُّشم. مملكة القلق الأمومي الدَّائم على مصيركم، قلق متعسكرٌ بين أجفان أمهاتكم لا ينسحب منهما لا ليلاً ولا نهارًا. مملكة الإصابات المداواة بعناد المصابين وتشبُّثهم الجنوني في الصمود داخل أرض المعركة والجراح تداوي الجراح والجرحى يطبِّبون الجرحى، وأعياد ميلاد الصَّامدين كذراعَي ربِّهم المصلوب تأتي وتذهب وطعمة قوالب الحلوى من طعم التراب وتصبُّب عرق حرِّ النهار ورذاذ ليالي الصقيع وشموع العيد نجومٌ لا تنطفئ إجلالاً لمن غسلوا حللهم بدم الرب اقتداءً بالقدوس الذي يشرق شمسه بالتساوي كما على الأبرار كذلك على الأشرار!

يا قلَّة قليلة دهس أشباه الخنازير ذهبها ودررها، وأنتم تدفعون أثمان المواطنَة عن بعض أكثرية لم تعرف من كياننا اللبناني غير دكاكينها ومتاجرها ومقاصفها وفنادقها وملاهيها ومرابعها وبحور حورياتها وخزنات فحش ثرواتها وأخلاقها مستندةً على قوانين تنظيمية أشبه بقوانين تنظيم البيوت السريَّة..

بأيَّة بطولة نسكيّة نسَّكتم أغلى ما في شبابكم لأجل حفظ الكرامات العامة كما الخاصَّة وأنتم الأدرى بأنَّ “لا كرامة لنبي في وطنه”… دائمًا كنتم في مواقع لا يجرؤ دخولها الآخرون وأنتم تبذلون ما تبذلونه توزيعًا لدماء استفاد منها الشجعان في بلادكم والجبناء.. استفاد منها أهل الشهامة في بلادكم كما أهل النذالة.. استفاد منها نبلاء العقول كما تنابل الشيشة والبطون.. بأيَّة بسالةٍ يا جوهرة الأخوة وزمردة الرفاق قطعتم لأجسادكم جواز سفرها إلى تحت تراب بلادكم، بينما لا يزال يعيش فوق هذا التراب الشاهد الشَّهيد مَن لا يعرفون من الفوق إلاَّ فوقيَّتهم العوجاء العجفاء العوراء!!

 

قدِّيسينا الأيلوليين وسائر الدَّهر

مِن صُلبِ قوانين إمارة “الجمعة العظيمة”: “خير لواحد أن يموت عن الأمَّة” خمسة عشرة ألف من نخَب رجال الفداء اللبناني الأقدس قد ماتوا عن أمَّة هذا “اللبنان” القائم الثابت في مدماك إثنين وسبعين موضعًا من مواضيع آيات الكتاب المقدس وعهده، القديم، فلتكن دماؤكم طوباوية وأرواحكم قديسة كما في السماء كذلك على أرض لبنان!!!

 

لقراءة المقال عبر “المسيرة” إضغط على الرابط التالي:

دماؤكم طوباوية وأرواحكم قديسة … كما في السماء كذلك على أرض لبنان

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل