.jpg)
في أيلول من كل عام، يتجدّد الموعد مع الذاكرة. أيلول ليس مجرّد شهر في الروزنامة، بل نافذة مفتوحة على زمن الشهادة والوفاء. من معراب، تُفتح صفحات كتبتها التضحيات بالدم، ويجتمع اللبنانيون حول قضية أكبر من السياسة والحزبية: قضية وطنٍ صانه أبناؤه بدمائهم ليبقى حيًّا. قدّاس الشهداء ليس وقفة حزن، بل فعل إيمان ورسالة صمود. فيه تختلط دموع الأمهات بصلوات الكهنة، ويعلو وجع الغياب ليصير وصيّةً للأجيال: لبنان يستحق الحياة مهما اشتدّت الأزمات. الشهداء ليسوا أسماء منقوشة على الحجر، بل وجوه حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية؛ شباب تركوا مقاعد الدراسة باكرًا ليدافعوا عن سيادة الأرض والعرض، رجال ونساء ودّعوا أهلهم على عجل ليكتبوا بالدم قصة وطن. كل طلقة، كل وقفة على جبهة، كل نفس أخير منهم كان إعلان حب مطلق للبنان.
في المراسم، كل تفصيل يتجاوز الرمز ليحمل رسالة. شباب كشافة الحرية بخطواتهم الواثقة يجسّدون وصيّة الشهداء: أجيال تسلّم أجيال للوصول إلى جمهورية قوية تليق بأبنائها. الشعلة التي تشقّ وجل المناسبة تؤكد أن الليل مهما طال لا يطفئ قبس الحقيقة. أما الوردة البيضاء التي يضعها سمير جعجع على نصب الشهداء، فهي عهد صامت لكنه أقوى من كل خطاب: أن دماءهم ما زالت تحرس الحلم.
الحضور أيضًا جزء من الرسالة. الأهالي يجدّدون يقينهم بأن أبناءهم لم يرحلوا عبثًا. الشباب يعلنون أنهم مؤمنون ثابتون صامدون وباقون على الرغم من إغراءات الهجرة. رفاق السلاح يؤكدون أن الطريق لم تنقطع. المنتشرون يصرخون من بعيد أن المسافة لا تلغي الارتباط. جميعهم كتفًا إلى كتف في حضرة الشهداء، يقولون إن الشهادة ليست ماضيًا بل قوة للحاضر والمستقبل.
ومن معراب، حيث تتردّد القاعدة التي صارت بوصلة نضال: ما بيصحّ إلا الصحيح، ينتظر اللبنانيون كلمة سمير جعجع، لا كزعيم سياسي فحسب بل كرفيق درب للشهداء، كمن حمل معهم السلاح، وتقاسم معهم السجن، ويعرف أن القضية التي ارتوت بالدم لا تختزل بخطاب أو شعار. كلمته في كل عام ليست تذكيرًا بالماضي فحسب، بل تجديدًا للعهد وخارطة طريق للمستقبل: إن مسيرة الشهداء لن تكتمل إلا ببناء الدولة، دولة السيادة والقانون والعدالة، الدولة التي تحفظ دماء من سقطوا وتصون حياة من بقوا.
قدّاس أيلول هو أكثر من صلاة. إنه إعلان عنفوان، وصوت الحق في وجه الانهيار. مناسبة تقول لكل لبناني: التضحية لم تكن عبثًا، ولبنان الذي حلم به الشهداء ما زال يستحق النضال.
شهداؤنا لم يتركوا لنا الحزن بل القوة، لم يوصونا باليأس بل بالرجاء. ومن معراب، يعلو الوعد في كل أيلول: لن ننكسر، لأننا أبناء شهداء، سلّمونا شعلة حق باقٍ، يعلو ولا يُعلى عليه.
لبنان سيبقى، ونحن سنبنيه دولةً تليق بتضحياتهم.
إقرأ أيضًا