
في روزنامة “المقاومة اللبنانية“، لا يمرّ أيلول إلّا وتعود الذاكرة لتضيء على الشهداء… أولئك الذين خطّوا بدمائهم تاريخ شعب، وحفروا في وجداننا أسمى معاني الشهادة: أن تبذل حياتك ليحيا شعبك، وأهلك، ووطنك. فالشهادة عند أهل الإيمان والوفاء ليست غيابًا، بل حضورٌ يرافقنا في كل خطوة، في كل قرار، في كل نضال، وفي كل فعل مقاومة للشرّ. هؤلاء الأبطال لم يختاروا الموت حبًّا بالموت، بل لبّوا نداء الدفاع عن الحياة، عن الروح التي أودعها الله فينا، وعن الكرامة الإنسانية التي لا تُقاس بثمن.
استشهدوا كي يوقفوا زحف الباطل، ويحفظوا هوية لبنان: أرض الحرية والتعددية، ونموذج العيش الكريم. آمنوا أنّ الإنسان خُلق حرًّا، وأنّ الدفاع عن هذه الحرية ليس ترفًا، بل واجبًا مقدّسًا. وهكذا تحوّلت دماؤهم إلى نورٍ يضيء دروب الحق، ويذكّرنا أنّ النضال التزامٌ نعيشه في يومياتنا، في خياراتنا، وفي إصرارنا على إبقاء القضية حيّة.
فخرنا أنّ شهداء “المقاومة اللبنانية” ارتقوا على أرض لبنان، ومن أجل لبنان وحده، لا على طريق القدس ولا دمشق ولا طهران، ولا لأي مشروع خارجي آخر. شهادتهم كانت لبنانية خالصة، وهدفهم لبناني بحت. وهكذا أعطونا ذخرًا يعلو فوق كل المكاسب، وعلّقوا في أعناقنا ميداليات شرف أثمن من كل المفاخر.
حقّهم علينا اليوم، ونحن في اليوبيل الخمسين لبداية الحرب اللبنانية المشؤومة، أن نشهد بأنهم لبّوا النداء يوم انهارت الدولة تحت وطأة المشاريع الخارجية، فوقفوا بصدورهم رماحًا، وسقطوا شهداء أبطالاً، دافعين فاتورة غياب الدولة. لم يكتفوا بالمقاومة وحدها، بل عملوا، ونعمل بعدهم وعلى خطاهم، لبناء الدولة اللبنانية العادلة، الآمنة، القويّة، القويمة. وفخرنا أنّ رفاقهم الأمناء على الخط كانوا أوّل من انبرى، بجرأة وبطولة، حين لاحت بوادر السلام، لفتح آفاق أوسع لقيام دولة جديدة، إيمانًا منهم أنّها وحدها الخلاص لكل اللبنانيين الصادقين، وأنّ الوفاء لشهادتهم لا يكتمل إلّا بقيامها.
فهم إذًا شهداء الدولة، لا الدويلة كما غيرهم، وقد أثبتت السنين أنّ شعبنا الحرّ ليس جسمًا غريبًا لأي ثقافة دخيلة، ولا مشروع تبعية لأي هيمنة، بل أبناء قيم ومبادئ، وأبناء إيمانٍ متجذّر في هذه الأرض منذ آلاف السنين. وتاليًا، فإن بيئة شهداء المقاومة اللبنانية، بمُجملها، شهودٌ على أنّ لبنان هو أرض الكرامة والحرية، وبيئة حاضنة للأصالة اللبنانية وفرادتها.
أيلول، إذًا، ليس فقط شهر الذكرى، بل شهر الوفاء: أن نكون أوفياء لشهدائنا، أن نحيا القيم التي استشهدوا لأجلها، أن نحمل راية لبنان التي سلّموها لنا بدمائهم. والوفاء الحقيقي لا يُصاغ في الكلمات وحدها، بل في المواقف وعيش المبادئ، في الصدق مع أنفسنا وأهلنا وشعبنا، وفي الثبات على النضال من أجل إعلاء الحق، في كل الظروف، متمسّكين بلبنان، والوعي، والحرية.
في أيلول… نرفع صلاتنا مع كل أمّ وأب وعائلة شهيد، ومع كل شهيد حيّ، ومع كل مناضل لا يزال على درب النور، كي تبقى دماء شهدائنا بذارًا لنهضة لبنانية حقيقية وجديدة، فيبقى لبنان وطنًا حرًّا، أبيًا، وأمانة خالدة للأجيال القادمة.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار… والوفاء لهم عهدٌ علينا، إلى أبد الدهور.
