.jpg)
منذ ذلك اليوم، 15 أيلول من العام 1991، حين ارتسمت صور الشهداء في باحة حريصا، صار وجه لبنان مطبوعًا بملامحهم، وصار تاريخنا يتلخص في تلك العيون المعلّقة على الجدران، وفي الأطر التي تحوّلت إلى أيقونات حيّة تنبض بالعنفوان. حاول كثيرون طمس أثرهم أو تشويه حقيقتهم، لكن دماءهم غلبت كل محو، واستشهادهم صار هوية ثابتة للوطن، كتبت بالدم والدمع معًا.
لم تكن الشهادة عندهم موتًا عابرًا، بل فعل إيمان بلبنان الحر، السيد، المستقل. فُهم أن البقاء بكرامة أقدس من حياة بلا حرية، وأن الأرض لا تُصان إلا إذا ارتوت بالدماء الزكية، وأن الحرية لا تُحفظ إلا إذا دفع أصحابها أغلى ما لديهم. لذلك، ارتقوا عن وعي وإرادة صلبة، رافضين أن يهتزّ عزمهم أمام أي خطر.
من بين هؤلاء، يسطع اسم الرئيس الشهيد بشير الجميّل، الذي اختصر في مسيرته حلم لبنان. كان مشروعه دولة قوية، سيادة كاملة، وطن لجميع أبنائه، ولم يتردد في دفع الثمن لأنه عرف أن الحياة بلا حرية ليست حياة. تحوّل بشير إلى رمز خالد للالتزام الوطني، وصارت صورته مع صور الشهداء جميعًا إنجيلًا حيًا يُتلى على أجيال لبنان المقبلة. بشير لم يرحل، بل صار فكرة، عهدًا، ومشروعًا باقٍ ما دام لبنان باقٍ.
صور الشهداء لا تزال تتمايل على الطرقات، تتصدّر البيوت والساحات، وتطلّ علينا من وجوه الأمهات اللواتي صرن مسبحة صبر وصلابة. ومع كل مطرٍ أول في أيلول، نشعر أن السماء تبكي معهم، وأن دموع الأمهات تختلط بالغيوم لتسقي الأرض كما ارتوت يوم بذلوا دماءهم. ومع كل صورة شهيد، يلاحقنا سؤال: ماذا فعلنا بوصيتهم؟ هل بقينا أمناء على لبنان الذي من أجله رحلوا؟
هذا العام، كما كل عام، سنصلي لهم، لكن صلاتنا ستخرج من بيوتنا ووجعنا وعمق أزماتنا. سنخلع عن أكتافنا وشاح الذل الذي أرادوا تطويقنا به، وسنقف في حضرة الشهداء رافعين أيدينا طالبين منهم أن يكونوا حراسنا الذين لا ينعسون. في معراب، سيكون القداس محدودًا بعدد الحاضرين، لكنه سيمتد إلى كل قلب نابض بالإيمان والوفاء. هناك سنقول لهم: صلّوا من أجلنا، ردّوا عنا سيف اليأس، وامسحوا بدمائكم الطاهرة غبار الانكسار عن وجوهنا.
ومن هذا الحضور العميق لهم، ومن اتصالنا الروحي بالقديسين الذين ارتقوا، ينبثق معنى أعمق لقدسية الشهادة: فهي لا تُقاس بعدد من رحلوا، بل بمدى حضورهم في وجداننا. هي ليست مجرد ذكرى نذرف لها الدموع، بل عهد نجدد فيه القسم، وصيتهم التي كانت واضحة: “انتبهوا ع لبنان”، صارت دستورًا أخلاقيًا وأمانة نعيشها كل لحظة ونرددها كلما حاولوا سرقة الوطن منا.
ولكن على الرغم من كل ألم، هناك بصيص أمل ينبثق من ذكرى الشهداء: فدماؤهم لم تذهب هدرًا، وقصصهم البطولية تبقى منارة توجهنا، وتذكرنا بأن لبنان قادر على النهوض مهما اشتدت المحن، وأن الإرادة الوطنية الصادقة تبني مستقبلًا جديدًا، وتزرع فينا الإصرار على الاستمرار، وعدم الخضوع لليأس.
من هذا الأمل المتجدد الذي يمنحنا إياه حضور الشهداء في وجداننا، ندرك أن الشهداء لم يرحلوا حقًا. هم حاضرون في عليائهم، أحرارًا مكللين بالغار، فيما نحن، الشهداء الأحياء، نستمد منهم القوة لنستمر. نستمد من دمائهم شجاعة الثبات، ومن وصاياهم إصرار التجذر في الأرض. دماؤهم لا تزال تنبض في عروق أمهاتهم وآبائهم وأبنائهم، وفي قلوب كل من آمن بقضية لبنان.
لهذا، نردد اليوم مع شهدائنا، ومع بشير الجميّل في الطليعة: ليبقى لبنان… تبقى الشهادة قدس أقداسنا، وتبقى دماؤهم عهدًا لا يُنكسر.
ميشلين أبي سلوم ـ المسؤولة الاعلامية في الولايات المتحدة الأميركية