
من وادي قاديشا، حيث الحجر يروي حكاية، وحيث الصمت يتحوّل صلاة، وُلد شعب حمل الإيمان كجمرة لا تنطفئ. من الكهوف التي احتضنت الرهبان، ومن الأودية التي سمعت التراتيل، بدأت مسيرة لا تنكسر: جماعة اختارت الحرية على الخضوع، والإيمان على الذوبان. هناك، في حضن الجبل، كتب أجدادنا سفر الوجود المسيحي في هذا الشرق: سفرٌ كُتب بالحبر والدم، بالنسك والمقاومة. لم تكن المغاور بيوتًا عابرة، بل حصونًا للصمود. ولم تكن الصلوات همسًا ضعيفًا، بل صرخة تزلزل كل سلطان.
تلك الروح النسكية التي صنعت هوية المسيحيين لم تبقَ ذكرى، بل صارت ميراثًا حيًّا. فالمقاومة عندنا ليست خيارًا ظرفيًا، بل قدرًا روحيًا واجتماعيًا، ولغة حياة تتجدّد في كل جيل. من الرهبان الذين جعلوا الجبل قلعة، إلى شهداء الحرب اللبنانية الذين حرسوا الكيان، وصولًا إلى شهداء السلم الذين قدّموا حياتهم في سبيل السيادة والكرامة، هي مسيرة متواصلة وعهد لا ينكسر.
في ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، نقف لا أمام موتٍ عابر، بل أمام معنى يتخطّى الجسد والزمن. هؤلاء الشهداء لم يخسروا حياتهم، بل جعلوها حضورًا أكبر، رسالةً تقول إن لبنان لا يُبنى إلا بالتضحية، ولا يُصان إلا بالحرية. حياتهم لم تكن غاية فردية، بل طريقًا إلى الخلود في وجدان الوطن. بموتهم لم تنته حياتهم، بل بدأوا مسيرة جديدة. صاروا معيارًا لصدق الالتزام، وأساسًا تُبنى عليه دولة العدالة والسيادة.
إن الشهادة في تاريخنا ليست طارئة، بل جزء من تكوين هذه الأرض. منذ أزمنة بعيدة، وقف المسيحيون على مفترق الحضارات، محاطين بالمخاطر. لكنهم آمنوا بحقيقة واحدة: الحرية تستحق كل شيء، حتى بذل الحياة نفسها. من هنا صار الشهيد أيقونة عامة، لا تخص حزبًا أو طائفة، بل تنتمي إلى أسطورة جماعية صنعت هوية لبنان الحر.
ولأن الشهادة ليست فعلًا فرديًا فحسب، فهي دومًا فعل جماعي ـ روحي. الأم التي قدّمت فلذة قلبها لم تكن شاهدة على الغياب فقط، بل شريكة في المسيرة. دموعها تحوّلت الى صلاة، وصبرها صار قوةً للجماعة. والرفاق الذين تابعوا الدرب لم يكونوا أحياءً فقط، بل امتدادًا حيًّا للشهداء، بهم يستمر المعنى وتبقى القضية. وهكذا تصبح الشهادة مسيرة لا تنقطع، نحملها جيل بعد جيل، ويبقى الشعب واحدًا في المصير والرجاء.
وهكذا، فإن تاريخنا الروحي لم يبقَ مجرد صفحات من الماضي، بل صار قاعدة لمشروع سياسي ووطني نعيشه اليوم. فما كُتب بالدم في الأمس، يتحول في الحاضر إلى التزام ببناء الدولة وصون سيادتها.
اليوم، ونحن نستحضر ذكراهم، لا نفعل ذلك لتمجيد ماضٍ مضى، بل لتأكيد أن دماءهم ما زالت دعوة حيّة. دعوة إلى أن يكون السلاح بيد الدولة وحدها، ودعوة إلى بناء لبنان الذي حلموا به: وطن نهائي لجميع أبنائه، قائم على المؤسسات، وعلى حرية لا تُختصر في شعار، بل تتجسّد في سيادة فعلية.
شهداء المقاومة اللبنانية علّمونا أن الشهادة فلسفة حياة، وأن السلام الحقيقي لا يُصنع بالاستسلام للواقع، بل بالصلابة في المواجهة. بهم نفهم أن لبنان، مهما جُرح، يظل قادرًا على أن ينهض، لأن هناك دائمًا من يثبت أن الحياة لا تُقاس بسنواتها، بل بما تمنحه في سبيل القضية الأسمى.
لم يرضخوا لقدَرٍ عادي، بل كتبوا قدرًا جديدًا. لم يختاروا موتًا يطفئهم، بل شهادةً تنير الدرب للجماعة. بهم نعرف أن السلام ليس بغياب المعركة، بل بتحقيق الحرية وصون القضية. وبهم نؤمن أن الصلابة لا تأتي من القوة وحدها، بل من الاستعداد الدائم للعطاء حتى النهاية.
هذا هو العهد الذي لا يسقط، وهذه هي الحقيقة التي لا تموت. فلنحفظ عهدهم: أن نبقى أوفياء للحرية كما فهمها أجدادنا، وللمقاومة كما جسّدها شهداؤنا، وللسيادة كما صانها أبناؤنا في زمن السلم. فالمسيرة واحدة، والدم واحد، والوصية واحدة: لبنان الحر سيبقى، ما دام فيه شهداء يكتبون بدمائهم سفر الحياة.