Site icon Lebanese Forces Official Website

شهداء وشهيدات المقاومة اللبنانية: لأن الكرامة لا تُفرّق بين المذكر والمؤنث

في تاريخ الأوطان، ثمة لحظات لا تُقاس بالزمن، بل بالتضحية. وفي لبنان، كانت لحظة الشهادة وستبقى عنوانًا لرفض الاحتلال، وصون السيادة، والإيمان بأن الوطن لا يُبنى بالكلام، بل بالدم والوفاء. وفي هذه المسيرة الطويلة، لم يكتب دربَ الكرامة الرجالُ وحدهم، بل كانت للنساء أيضًا بصمة لا تُمحى، ورفقة نضالية لا تقل شجاعة أو حضورًا.

شهداء وشهيدات المقاومة اللبنانية – من الكتائب، القوات اللبنانية، الأحرار، حراس الأرز – جسّدوا مشهدًا وطنيًا واحدًا، تعددت فيه الأسماء وتوحدت فيه الغاية: لبنان حرّ، سيّد، مستقل. كانت الشهادة فعل مواجهة، لكنها أيضًا فعل إرادة. لم تكن حكرًا على ساحات القتال، بل امتدت إلى كل ميدان قاوم الاحتلال بأي شكل: بالكلمة، بالموقف، بالصمود، وبالثمن الباهظ.

في هذا السياق، تبرز أسماء نساء مقاتلات تحوّلن إلى رموز، مثل جوسلين خويري، التي لم ترفع السلاح فقط، بل رفعت معه قيمة المرأة في مشروع المقاومة. لم تكن حالة استثنائية، بل واحدة من كثيرات ساهمن في حماية الأرض والفكرة. وهناك من تحمّلن الألم بصمت وكرامة، مثل المناضلة أنطوانيت شاهين، وغيرهن كثيرات.

وإذا كانت الشهادة أقصى درجات التضحية، فإن من صمدن بعد المحاولة الفاشلة لكسر إرادتهنّ قدّمن أيضًا نموذجًا بطوليًا لا يُنسى. مثال على ذلك الوزيرة السابقة ميّ شدياق، التي لم تخضع للإرهاب الجسدي والمعنوي، بل حوّلت جراحها إلى رسالة، وإعاقة الجسد إلى قوّة في الكلمة والموقف.
المقاومة لم تكن حكرًا على حروف المذكر، ولا يجوز للذاكرة أن تُقصي نون النسوة حين نتحدث عن الشهادة. لغتنا يجب أن تعكس عدالة تضحيات الجميع. فالشريكات في النضال هنّ شريكات في الذاكرة والوجدان، ومن حقهن أن تُقال أسماؤهن بصيغة التأنيث، لا تلميحًا بل تصريحًا، لا في الهامش بل في المتن.

وبالعودة إلى قداس إحياء ذكرى الشهداء والشهيدات هذا العام في معراب، تحت شعار: “نجرؤ ليبقى لبنان”، فإن هذه الدعوة إلى الجرأة ليست شعارًا بل موقفًا. إنها ترتكز على تضحيات من رفضوا الرضوخ، وواجهوا نظام الوصاية السورية الذي سقط أخيراً بعد أن حكم لبنان بالقوة والنار، ونكّل بأحراره، وخطف سيادته، وسجن قادته. وفي طليعتهم الدكتور سمير جعجع، الذي دفع أحد عشر عامًا من عمره ثمنًا لصموده في وجه من أرادوا لبنان مقاطعةً خاضعة، لا وطنًا سيّدًا.

اليوم، لا نستعيد أسماءً فحسب، بل نستعيد دورًا، ونُحيي مسارًا طويلًا من النضال الصادق. فالمعركة التي خاضها الشهداء والشهيدات لم تنتهِ باستشهادهم، بل هي مستمرة معنا: في كل مواجهة ضد الإلغاء، في كل رفض للتبعية، وفي كل مقاومة للعبث بالذاكرة الوطنية.

وإذ نقف في معراب، في أول أحد من أيلول، خلال الذبيحة الإلهية، فإننا لا نُكرّم من سقطوا فحسب، بل نُعلن بوضوح أن الحقيقة لا تُمحى، وأن الكرامة لا تُفرّق بين المذكر والمؤنث.

فلنكن جديرين بمن سبقونا، أمناء على الحقيقة التي استشهدوا لأجلها، جريئين في الدفاع عن لبنان الذي أرادوه.
“نجرؤ ليبقى لبنان” هو فعل إنصاف لشهداء وشهيدات المقاومة اللبنانية، ليبقى لبنان وطنًا يستحق أن نحيا ونموت لأجله.

Exit mobile version